أرتدي ملابسَ مسْروقة، بدَاخِلها نُقودٌ مَسروقةٌ


الشاعرالفرنسي ماتياس ريشار
ترجمة : ترجمة: غادة الأغزاوي
ماتياس ريشار. ولد 1974 باريس. يعيش حاليّا بمرسيليا. كاتب هاردكور بنك. نوع من الكتابة المتذّمرة والمعارضة. ماتياس ريشارُ يشتغلُ على الكتابة، الموسيقى والجسد، للوصول إلى الحريّة والإبداع الأقصى.

 أرْتَدي ملابسَ مسْروقة، بداخِلها نُقودٌ مَسروقةٌ. آكُلُ طَعاماً مسْروقاً وأشرَبُ ماءً مَسروقاً، ونَبيذاً مسروقا. أحْمِلُ في مِعصَمي سَاعةً مسروقةً. بينَ يَديَّ كِتابٌ مسروقٌ. وتحْتَ قَدمَيَّ مَركبٌ مَسروقٌ بأشْرعةٍ مسروقَةٍ.
 أنا في سَيّارَةٍ مسْروقةٍ، بحِذاءٍ مَسْروقٍ، هاتِفٍ مسْروقٍ ونَظّارةٍ مسْروقةٍ. إلى جَانِبي، امْرأَةٌ مسْروقةٌ. نتَقاسَمُ معاً لحَظاتٍ مَسْروقَةٍ. بداخِلِ رأسي، تُوجَدُ كَلماتٌ مَسْروقةٌ وأفكارٌ مَسروقةٌ. أطيرُ في طَائرَةٍ مسْروقةٍ، بأجْنحَةٍ مسْروقةٍ. كلُّ شَيْءٍ عَليَّ مسْروق، كلُّ شَيءٍ فِيَّ مسْروق. كلُّ ما لَديَّ مسروقٌ. كلُّ ما لَديَّ، ليسَ لديَّ. كلُّ ما لَديَّ ليسَ لي. سَرقتُ، أسرِقُ، وسأسرقُ. الهواءُ الذي أتنفّسُ مسروقٌ، كلُّ لحْظَةٍ مسْروقةٌ، الماضي مَسرُوقٌ، المُستقبلُ مسرُوقٌ، الحاِضرُ مسروقٌ، مُسْتقْبَلي يجِبُ عليَّ أنْ أسْرقَهُ، حاضري يَجبُ عَليَّ أنْ أسْرقَه. ماضِيَّ لابدَّ أنّني سرَقتُه. سَرقتُ هذهِ الإبتِسامةَ، هذهِ الحَرَكات، هذهِ التّعابِير. سَرقتُ هذهِ اللُّغَةَ وهَذهِ الأفكارَ ثُمَّ غَمْزةَ العَينِِ هذه.
جواربي مَسْروقَة، تبَّاني مَسروقٌ، قَمِيصي مَسْروقٌ، سِروالي مْسروق. كُلُّ شَيءٍ، فِيَّ وعَليَّ مسروقٌ، كُلُّ شَيءٍ، في كُلِّ مَكانٍ مَسْروقٌ. كلُّ شيءٍ يُسْرَق، كلُّ شَيءٍ يُسْرَق، كلُّ شَيءٍ للسَّرِقةِ. حَتَّى اللاّشيء سَرَقْتُه. لا شَيءَ لِي. وعَليّّ أنْ أسْرَقَه باسْتِمرارٍٍ. أمْسِكُ في يَديَّ زهوراً مسْروقة، زهور بَنفسَجٍ مسْروقة، بَيْضاً مسروقاً، وأنطلقُ فوقَ درّاجَةٍ هَوَائيّةٍ مسْروقةٍ، بحَقيبةٍ مسْروقةٍ، تمنَّيتُ ألّا أسْرق، لكِنْ، لا شَيءَ لي، ولنْ يكونَ لي شيءٌ، أبَداً. كلُّ شيءٍ ينفلتُ منْ بيْنِ يديَّ، كلّ شيءٍ يرفضُني، أنا لا أمْلكُ شَيئاً. كلُّ شيءٍ هُوَ (ليسَ لي). لذلكَ إذَن، سَرقتُ صَوتاً، سَرقتُ مفتاحَ شُقّةٍ، سَرقتُ مرتَبةً، سرقتُ حَاسُوباً، سَرقتُ الوقتَ وكتَبتُ هذا. لا يُمكِنُني أنْ أسْتمِرَّ في السّرقةِ طَويلاً، هكذا، عَلىَ هذا النَّحْوِ. لذلك، إِسْرقوا لأجْلي، أرْجوكُم، اسْرِقوا، اسرقوا لأجْلي، اسْرقوا جَيّداً، وإسْرقوا كُلَّ شَيءٍ. شُكراً. يَجِبُ أنْ نْسرِق، لا يَنبَغي أنْ نَفعَلَ ذلك، ولكنْ عَلينا أنْ نعْرفَ كَيفَ نسْرق. لا ينبغي أنْ تفعَلَ لكنْ، يَجبُ أنْ تَعرفَ، على الأقلّ، كيفَ تفعل. الأمرُ هكذا. إذن، اسْرقْ بيرَةً، اسرقْ قُبلةً، اسرِق سيجارَةً، اسرِِقْ بطاقةَ هوِيّةٍ، اسرِق آلةَ تَصْويرٍ، ولكيْ تسْتِمرَّ، في البَعيدِ، لكيْ تسْرقَ قليلاً منَ الحَياةِ، تسْرقَ قليلاً منَ الوقتِ، تسرقَ العواطِفَ، تسرقَ البهْجَةَ، تسْرقَ المغامَرةَ، تسْرقَ المشاكل، تسْرقَ الحياةَ، مَزيداً منَ الحَياةِ، منَ الوَقودِِ. كلُّ ما أعْطَيتُ، سرَقتُه. كلّ هذا مسْروق. كلُّ هذا، مسروقٌ بأكمَلِه. إذنْ، اسرِقْ لكيْ تُعطِي. واسْرق مُجدَّدا لكيْ تعطِيَ مرّةً ثانيةً. لأنَّ كلّ شيءٍ، فيَّ، سُرِقَ. عليَّ أنْ أسْرِقَ حَتّى أعَيشَ. وكلّما عشْتُ، سَرقتُ أكثر. المَوتُ هوَ الشّيءُ الوحيدُ الذي لم أسْرِق. هذا تحديداً، لا أريدُ أنْ أسْرقَه، بل أتركهُ لأجْلِ الجميعِ. لكنّني، في الحَقيقة، لسْتُ في مَأمَنٍ منْ أنْ أسْرقَ المَوتَ في لحْظةٍ، قدْ لا أكونُ فيها منْتَبِهاً. نظنُّ أنّنا نسرقُ شيئاً غير مُهمٍّ، ثمَّ فجأةً، نجدُه الموت. تبّاً، المَوتُ هو الشّيءُ الوحيدُ الذي لا يُمكِنكَ التخلُّصُ مِنهُ، بعدَ سَرقَته. إذنْ، اسْرِقوا كلَّ شَيءٍ، لكنْ تجَنّبوا سَرِقَة المَوتِ، مهْما يَكنْ. وإلّا فإنَّ ذلك المَوتَ سَيَسْرِقُكم إلى الأبدِ. حسَناً، سَأذْهبُ الآنَ، مَسروقاً كامِلاً، وسارِقاً حتّى أعيشَ. أَسْرِقُ وأسرقُ ثمَّ أسرقُ مرّةً أخرى، لمجرّدِ أنْ أبقَى على قَيدِ الحَياةِ، قليلاً، لأبقى مُستقِرّاً بِضْعَ لحظاتٍ. أسرقُ مأوىً، أسرقُ طعاماً، أسرقُ حرارةً. أسْرقُ يَوماً آخرَ إضافيّاً، أسرقُ لَيلةً أخرى إضافيّةً. ثمَّ غداً، سأحاولُ أنْ أسرقَ مُجَدَّداً، قليلاً مِنَ العُشْبِ، قليلاً منَ حُفرِ الأرْضِ، وسأستمرُّ. الكمَنجاتُ المسروقةُ، تعْزفُ ألحاناً مسروقَةً، في هذا المَكانِ المَسْروقِ، حَيثُ الأضْواءُ مَسروقةٌ أيْضاً، والصَّوْتُ كَذلك، طَبْعاً. حُضورِي مَسروقٌ، أعيُنُكم مَسروقةٌ وعَقولُكُم مسْروقَةٌ.. وهوووبّا، لمْ يَعُد يُوجَدُ شَيءٌ.





الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة



للمراسلة : alamin62@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة © 2013-2016