الكناوة بعيون ما بعد الحداثة



شعلان شريف
ملاحظات عابرة راودتني بعد سهرة في قاعة الموسيقى الملكية في أمستردام ضمن أيام "مهرجان هولندا للفنون". كانت هناك حفلات موسيقية كلاسيكية وعالمية في القاعة الكبرى بينما خصصت القاعة الصغرى لطقس موسيقي – روحي استمر تسع ساعات متواصلة يزعم القائمون عليه ويزعم دليل المهرجان أنه طقس للعلاج النفسي وطرد الأرواح الشريرة لفرقة "كناوة" من جنوب المغرب". شخصياً اكتفيت بعشر دقائق من هذه الطقس الموسيقي الروحي البدائي الممل الذي يتم تسويقه من قبل جماعات ما بعد الحداثة التي أصبحت تهيمن على المهرجانات الكبرى في الغرب:
تبدو موجة ما بعد الحداثة وكأنها ردّ على فكرة المركزية الأوربية التي طبعت بطابعها "الحداثة الأوربية".
تنكر "ما بعد الحداثة" فكرة التفاوت القيمي بين الثقافات وتضع مقابلها "النسبية الثقافية"، فكل ثقافة لها خصوصيتها وقيمتها ضمن سياقها الخاص.
يبحث "الما بعد حداثيون" عن الإلهام في مصادر ثقافية بعيدة عن الثقافة الغربية.. مصادر أغلبها ذات طابع محلي، ديني، فولكلوري...الخ.
لكني أرى أنّ ما تـُـتهم به المركزية الأوربية الحداثية من "عنصرية" لهو أرحم وأكثر إنسانية من "عالمية" ما بعد الحداثة.
تحافظ "ما بعد الحداثة" على التقسيم الأوربي التقليدي لثقافات العالم: ثقافة عقلانية موطنها أوربا، وثقافات لاعقلانية في بقاع العالم الأخرى. ولكن في حين كان الأوربي الحداثوي يؤمن بـ "رسالة الرجل الأبيض" في نشر العقلانية الغربية وتمدين الشعوب غير الأوربية فإن لسان حال الأوربي (والأمريكي) ما بعد الحداثوي يقول: "اللاعقلانية" مهمة والإنسان بحاجة إليها إلى جانب "العقلانية" الأوربية. لذلك لنا نحن عقلانيتنا التي سنجّملها ونروّضها بإضافات لاعقلانية نستلهمها من الثقافات غير الغربية... أما أبناء تلك الثقافات فلا حاجة لهم بعقلانيتنا الباردة المملة... إنهم مستمتعون بخرافاتهم... يتداوون بالأعشاب والتعاويذ ويستحضرون الأرواح وعالمهم مليء بكائنات غامضة وملهمة كالجن والعفاريت وليس كعالمنا الغربيّ الذي جعلته العقلانية محدوداً فقيراً.





الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة



للمراسلة : alamin62@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة © 2013-2016