نساء العرب القدامى: ملكات وثائرات ومآل مأساوي



شعلان شريف*

للمرأة حضور في الحياة العامة في الثقافة البدوية أو شبه البدوية، وفي الثقافة الزراعية القروية أكبر بكثير من حضورها في الثقافات المدينية، والإميراطورية. هذا طبعاً قبل ظهور الأفكار التحررية في العصر الحديث. يظهر ذلك جلياً في تاريخ المرأة العربية، حيث دورها الكبير حين كان العرب أقرب إلى طبيعتهم البدوية، ثم انحطاط دور المرأة بعد تحول العرب إلى إمبراطورية.
ملكات ثائرات على الآشوريين
السجلات الآشورية هي أقدم مصدر عن عرب الشمال، ويعود أقدم ذكر للعرب فيها إلى عام 853 ق.م. أول عربي دخل التاريخ هو "جندب" الزعيم القبلي الذي كان طرفاً في تحالف سوريّ كبير ضد الآشوريين مع عشر دويلات كنعانية وآرامية. ثم تعددت موارد ذكر العرب في السجلات الآشورية منذ ذلك الحين.
ما يلفت النظر في تلك السجلات هو كثرة النساء اللاتي وصفتهن السجلات الآشورية بـ "ملكات العرب". أقدمهن "زبيبة" ثم "شمسي". أما الملكة "بثيعة" فهي أول امرأة عربية عراقية ذكرها التاريخ، حيث تحالفت مع الكلدانيين في تمرد بابلي ضد الآشوريين عام 689 ق.م.

ملكات عربيات حكمن روما:
أربع ملكات عربيات من مدينة حمص السوريّة، دمنة وميساء وسمية ومامة، حكمن روما نفسها كوصيّات على أبنائهن الأباطرة، المنحدرين من أسرة سيفيروس الفينيقية الليبية الأصل، في الفترة 193-235 ميلادي.
الملكة الأهم بينهن هي الملكة المؤسسة دمنة (جوليا دومنا)، وهي ابنة الكاهن الأعلى لمعبد الشمس في حمص، تزوجت من القائد الروماني، البونيقي (الفينيقي) الأصل من مدينة "لبدة" الليبية، سبتيموس سيفيروس، الذي أصبح لاحقاً إمبراطوراً لروما ومؤسساً لسلالة من الأباطرة. كانت جوليادمنة  فيلسوفة وأديبة، انتعشت في عهدها الفسلفة والآداب، وانتشر الحضور المشرقي (السوريّ) في العاصمة روما، حتى أن الشاعر اللاتيني جوفال كتب قصيدة هجاء، يتذمر فيها من أوضاع روما، التي أسماها "بابل"، حيث امتلأت بالأجانب، و"أصبح العاصي يصبّ في التيبر".

ملكات ثائرات على الروم
سيطر الرومان على المشرق في القرن الأول قبل الميلاد. لم يواجهوا في البداية سوى تمرد يهودي قضوا عليه بعنف، ولكن لاحقاً واجهوا ثورات عربية متكررة. أهم هذه الثورات ثورتان قادتهما امرأتان، وإذا كانت الأولى مشهورة، أعني زنوبيا ملكة تدمر، التي شكلت في القرن الثالث تهديداً جدياً للامبراطورية الرومانية، فإن الثانية أقل شهرة، وأعني الملكة "ماوية" التي قادت قبائل العرب في بادية الشام في ثورة عارمة ضد البيزنطيين في أواخر القرن الرابع الميلادي، وانتصرت في معارك واجهت فيها أكبر القادة العسكريين في الإمبراطورية، وكادت أن تصبح الحاكمة المطلقة لشرق الإمبراطورية، مما أضطر الإمبراطور نفسه للتفاوض معها والقبول بشروطها، وكان أهمها إنشاء أسقفية عربية يرأسها الراهب العربي موسى، منفصلة عن الكنيسة الرسمية.


كانت ثورة "ماوية" آخر محاولة كبيرة قام بها السكّان الأصليون للمشرق للتخلص من هيمنة الروم والفرس، بعد ذلك كانت هاتان القوتان تدفع السكان الأصليين إلى أعماق الصحراء، أو تجندهم كمرتزقة. ولم يتوقع الفرس والروم أن الصحراء ستكون المنطلق للثورة الأخيرة التي تطيح بطغيان الإمبراطوريتين، الثورة التي انطلقت من بيت تاجرة القوافل العربية، خديجة الكبرى.

المآل المأساوي:
المآل الأخير  كان مأساوياً لتاريخ النساء العربيات الاسبق، الممتد على أكثر من 1500 سنة، من الملكة "زبيبة" (التاسع ق.م) إلى التاجرة "خديجة" (السابع ميلادي) التي لن نعرف إلى الأبد حقيقة دورها، بعد أن أعاد الذكوريون صياغة حقبة التأسيس، لتصبح تاريخاً غامضاً ضبابياً مليئاً بالتناقضات والثغرات.
لقد كان سرّ قوّة تلك النساء ونفوذهن يكمن في انتمائهن إلى ثقافة بدوية، تعلي من شأن المرأة. لكن حين تحوّل أحفاد البدو إلى قادة لامبراطورية كبرى، استنسخوا قيم الإمبراطوريات السابقة، وخاصة الفارسية، القيم المدينية الذكورية التي تحطّ من شأن المرأة وتقمعها وتسجنها في غرف النوم. وفي قمة الازدهار الإمبراطوري، وهو أيضاً قمة صعود القمع الذكوري للمرأة، بدأت إعادة تأويل النصوص الدينية، ووضع الأحاديث والروايات الكاذبة، وهكذا أصبحت القيم الذكورية المنقولة عن الإمبراطوريات السابقة أحكاماً دينية إسلامية، يعتقد غالبية المسلمين حتى اليوم بصحتها، وتشكل عائقاً أساسياً أمام محاولات التحرر والمساواة.

شاعر وكاتب عراقي مقيم في هولندا 





  






الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة



للمراسلة : alamin62@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة © 2013-2016