الشعر وصغار العقارب

الشعر وصغار العقارب

صلاح نيازي

في رواية جيمس جويس “صورة الفنّان في شبابه”” يفتح ستيفن ديدالوس كتاب الجغرافية فيجد آسمه

مكتوباً في الورقة البيضاء، في أوّل الكتاب، ومعه عنوانه ومدرسته والمقاطعة التي يعيش فيها، وبلده إيرلندا،

ثمّ أوروبا، ثمّ العالم، فالكون. قرأ العنوان مرّتيْن: من الأسفل إلى الأعلى، إلى أن وصل إلى آسمه، ومرّةً من الأعلى إلى الأسفل. خطرتْ بباله فكرة:

” ماذا بعد الكون؟ لا شئ. لكنْ هنا كأيّ شئ حول الكون يبين، أين ينتهي قبل أن يبدأ المكان العدم؟

إنّه لأمرٌ جسيم للغاية أن نفكّر في كلّ شئ، وفي كلّ مكان. الله وحده قادر على ذلك”.

لكنْ هل وجد ستيفن ديدالوس بعد أن بلغ سنّ الرشد، وأصبح بطلاً بنفس الآسم في رواية يوليسيس جواباً وافياً مطمئناً؟ أم أنّ السؤال اتخذ صيغة متكررة أخرى على شكل بحثٍ عقليٍّ متواصل؟ أم آنّه اتخذ صوت بابلو نيرودا صائحاً: أنا لا أعرف شيئاً قطّ.

أم أنه مثل نيرودا كذلك، سيجعل العالم حلوى ليكون ممتعاً، أم مثله

عليه تغيير طبيعة الأشياء فيتصوّر

“الشمس تنمو من بذرة إلى بهائها الضروري”؟

ربما سيقع آختيار ديدالوس على قصيدة “شرفة”، لبودلير ليرى من خلالها العالم. العاشقان في الشرفة. الظلام يقرّبهما ويخفيهما. عطر الأنوثة بالذات مذوّب للحس. تتورّم الخلايا. الحواسّ متنمّلة مخدّرة بأعمق لذّة ونرفانا. انصهرت الحواسّ جميعاً فأصبحتْ حاسّة واحدة أشدّ وأكبر.

ربما مهارة بودلير في تكثيف الحواسّ بهذه الصورة هي التي جعلت هذه القصيدة ممغنطة. إنها مسكونة:

“أعرف فنّ استعادة اللحظات السعيدة

وكيف أعيش الماضي ثانية حينما

أستكنّ على ركبتيْك”.

هذا بالضبط ما طلبه هاملت من أوفيليا.

ولكنْ قبل ذلك كان بودلير يصوّر ليلاً متكاثفاً، وكأنه ينأى بنفسه بحيلة الظلام إلى عزلة ليتمتّع بنشوة حسّية منغلقة على نفسها. تفرّغ الشاعر إلى حبيبته. راح يشرب أنفاسها. هكذا قال: أشرب أنفاسها. (حاسة الذوق بدلاً من حاسة الشمّ)، بودلير يشرب أنفاس معشوقته. شرب ثمّ خاطبها:”أنتِ السمّ”.

كيف جاء السمّ؟ ولماذا جاء توقيته بعد الأنفاس، وبعد تكاثف الظلام؟

هل الأنفاس نفثة، والسمّ أفعى؟ لماذا لا تبلغ نشوتنا ذروتها إلاّ إذا كانت محفوفة بالخطر؟ إلاّ إذا كانت محرّمة؟

أحبّ ج. هـ. لورنس أفعواناً يشرب ماء من حوض. بدا جليلاً. أحبه لوناً وحركة، وكرامة. فلماذا ضربه

بلوح خشب؟ أيّ هاجس خارجيّ دفعه إلى ذلك؟ فعل انعكاسي ناجم من أزمنة دينية سحيقة. يقول لورنس:

“وعلى الفور ندمتُ

فكّرتُ كم كان عملي خسيساً ودنيئاً

أحتقر نفسي، وأصوات تربيتي اللعينة

فكّرت بطائر القطرس

وتمنيتُ لو عاد أفعواني”.

لماذا يرتبط الجنس بالأفعوان؟ صوت سحيق من أعماق التأريخ ترسّب في عقولنا. لا نستسيغ الحلاوة خشية عاقبة المرارة. تفسد علينا المانوية، لذّة “حدائق النور” خشاة شرّ متربّص فيها. كذا انحدرت إلينا اللذة بصيغة مصيدة.

الطفلة “ألس في أرض العجائب” مثل الطفل ستيفن ديداليوس. عالمها مدهش لأنه لم يكتشف بعد. لأنه لم يطأْه التأريخ بعد، وينصب مصيدته فيه. التاريخ أكبر المصايد طرّاً. يعرقل العفوية.

لكن لا بدّ لألس أن تكبر، وتخرج كحوّاء من حدائق النور مرغمة.

في كلّ نفسٍ بشرية ثمة “ألس”، نفتش عنها، مثل جنّة مفقودة.

تعيس “ملتن” لأنّه تصوّر جنته في مكان خارج كينونته.

لا بدّ لستيفن ديداليوس، أيضاً أن يكبر. محنته موروثة، مترسبة. للتأريخ سبعة أرواح يعود ويعود ويعود.

يحتّم التأريخ على ديداليوس الانتماء. كأنْ لا تكتمل كينونته إلاّ إذا انتمى.

ستيفن ديداليوس بين فريقين متحاربين، بالجزر البريطانيّة. اللون الأحمر فريق، واللون الأخضر فريق. التاريخ إذا دخل الألوان كارثة حقّاً. وفي الجزر البريطانية، الأخضر والأحمر يتعاضضان. كوحشين يتخالبان ويتعاضضان.

أمام ستيفن ديدليوس الآن صورة للكرة الأرضية، ملوّنة بالأخضر، وغيوم ملوّنة بالأرجواني:

” نظر ببرم إلى الكتلة الكروية الخضراء في وسط الغيوم الأرجوانية. تساءل أيّهما الصواب، فريق اللون الأخضر، أم فريق اللون الأرجواني.. تألّم لأنّه لا يعرف ما تعنيه السياسة ولا أين ينتهي الكون. شعر أنّه ضئيل وضعيف”.

لكن عليه أن يختار، مهما طالت حيرته. لا استقلال عن التأريخ. التأريخ أكبر المصايد طرّاً. إمّا هذا أو ذاك. إما أخضر، وإما أرجواني، خلت الدنيا من كلّ لون آخر. معسكران متذابحان من قديم الزمان.

يقول شاعر روسي:” في كلّ انتصار، وفي كلّ اندحار، لا بدّ من آمرأةٍ تبكي”.

الشاعر العظيم آمرأة تبكي في كلّ انتصار وفي كلّ اندحار. الشاعر العظيم يبكي في كلّ انتصار وفي كلّ اندحار.

ماذا لو تُرِك ستيفن ديداليوس وشأنه، فما الذي يمكن أن يصنعه بهذين اللونين؟ حقولاً مترفة من الغيوم والأزهار، آفاقاً متوردة بالأصائل والأسحار، بيوتاً آمنة كالأعشاش، جداول فرحة وظلالاً مرحة. يمكنه مثل فردريكو غارثيا لوركا أن يصبغ القمر أخضر، والريح خضراء، والأغنية خضراء، بيد أنّه الآن يقف بين رايتين، مجرّد قطعتي قماش، يصطبغ فيهما موت صارخ. موت أخضر وموت أحمر.

اللونان متذابحان منذ قديم الزمان.

ولكن. مَنْ هو ستيفن ديداليوس بالضبط، رغم إيرلنديته؟ من أية سلالة انحدر؟ هل هو روماني؟ روسي؟ إغريقي؟ أم انه سومريّ عاش ببلاد ما بين النهرين، وحينما فاجأه الطوفان هام على وجهه. حزيناً يفتّش عن جنّته المفقودة.

منذ ذلك الحين ونحن نفتش عن جنتنا المفقودة. هذه نطفة سومر مزروعة في نفوسنا. نرثها كابراً عن كابر. نرحل ونرحل ونرجع بخيبة كلكامش.

كلكامش ذو أوّلِ رحلةٍ معروفة خوفاً من الموت. كلكامش العتيّ الجبار يخاف من الموت مثلما نحن البشر العاديين نخاف من الموت، ويبكي كالنساء بنشيج. ولكنّه مع ذلك فضح برحلته تلك، أباطيل الحياة.

الأطفال يفكرون مثل كلكامش في الرحيل. من أسْر القماط؟ أم من خوف الرايات الخضراء والأرجوانية؟

حينما كنّا أطفالاً كنّا مثل كلكامش نخاف. نرتعش من الموت. مثله تماماً، ونحلم بالرحيل إلى آخر الدنيا. رحلة لا نهاية لها لأن الأرض مسطّحة. كانت الأرض في زماننا مسطّحة.

في أحد الأيام أخذنا غاليليو (كنّا نسمي معلم الجغرافية غاليليو لأنّه يشبهه في لحيته)، إلى غرفة مظلمة في المدرسة. أشعل شمعة وأرانا الأرض المسطّحة بهيئة كرة. وضع الكرة على حاملٍ حديدي، وأدارها بطرف إصبعه. دارت الكرة أمام الشمعة. فحدث الليل والنهار. ما أسهل المعجزات! كان يوماً حزيناً، كيف تكون الأرض المنبسطة كروية. مَنْ يصدّق غاليليو؟ يومها انتهت رحلات الطفولة وتقلّص العالم.

توالت الأسئلة على غاليليو. كيف يمشي الناس في خطّ الاستواء؟ شاقوليّاً؟ أفقيّاً؟ كيف يمسكون بالأرض في القطب الجنوبي وهم يقفون رأساً على عقب، وكأنّهم منعكسون في مرآة في السقف؟ هل الأرض تدور؟

ماذا لو انّ الإنسان القديم نزل إلى الأرض بعقليةٍ علميّة تحلل الظواهر الطبيعية والأمراض تحليلاً مختبرياً؟ أيّ عالمٍ كان سنرثه؟ ربّما لما كُتِبتْ ملايين الكتب التي تعجّ بها مكتباتنا في الوقت الحاضر. على رأسها ألف ليلة وليلة. وقد لا نعثر على شهريارها إلاّ في مستشفى

للأمراض النفسيّة.

لسوء الطالع جاء العلم متأخراً، متأخراً جدّاً. وما على ستيفن ديداليوس إلاّ أن يختار. وقف في مفترق طرق وتأمّل. أين وجهته؟ من ههنا طريق عذابات الأنبياء، نازفة. ما يزال البخار يصعد من الدماء السائحة. خطباء وحشود بشتّى اللغات. حناجر تتذابح بأوتارها الصوتيّة.

التفت إلى المعرّي. أصغى إليه. فازداد حيرة. المعرّي عدوّ ألس وعدوّ ديداليوس، لأنه عدمي، وهما غصنان يافعان متفتحان.

وهناك سقراط ولداته العتيقون. شيوخ ذبلت ذكورتهم، فاستعاضوا بالكلام: “استمتعْ بالتحادث مع الرجال المسنين، لأنّهم ساروا قبلنا، إن صحّ التعبير، على درب علينا أن نطأه أيضاً، ويبدو أننا يجب أن نتعرف منهم على هذا الدرب، وهل هو وعر وصعب، أم سهل وواسع؟

قال سقراط “كنتُ بين الحضور، حينما سُئِل الشاعر سوفكليس عن الجنس. أجاب:” لا تتحدّث عنه. أنا سعيد بتركه ورائي. هربت من سلطانه العنيف المجنون”.

تصوّر سقراط أنّ هذا الجواب كان جيّداً، معللاً ذلك:” تصبح في الشيخوخة متحرّراً تماماً من هذا النوع من المشاعر التي تتركك تعيش بسلام، وحينما تفقد رغباتك حدّتها، وترتخي، عندئذ تحصل على ما كان سوفكليس يتحدّث عنه، وهو الانطلاق والتحرّر من الشهوات التي هي كالأسياد المجانين”.

تأمّل الصبي ستيفن ديداليوس في هذه الأفكار مليّاً. تأمّل في هذا

الجمع من الفلاسفة العجزة. يريدون أن يقضوا على الغريزة وسخونات الجسد. من أين يأتي الآن بالشيخوخة ذات الخلايا المنطفئة؟ أيّ عالم هذا يهرّ بوجه الفتوة والصبابات.

قال ديداليوس ” ليست هذه “جمهوريتي يا سيدي افلاطون.

جلس الفنّان الشاب وحيداً. فكّر لبرهة في تنبؤات الجدّ الأكبر وما قاله لدانتي :”وستحرم من كلّ شئ تحبّه، وسترى كم هو مالح سيكون خبز الآخرين، وكم وعراً سيكون درب الصعود والنّزول على سلّم لآخرين”.

هل أصبح ستيفن ديداليوس جزيرة متوحدة؟

كلّ إنسان جزيرة متوحّدة لا ترتبط بالجزر الأخرى إلاّ بأمواج من الأصوات. وحتى في هذه الجزيرة المتوحّدة ثمّة شئ مفقود دائماً. جنّة مفقودة لا نراها إلاّ حينما نُغمض أعيننا. كاتصال وانفصال المتصوّفة.

فكّر ستيفن ديداليوس وقد شبّ عن الطوق الآن، في معلمه الملتحي كغاليليو، وهو يكوّر الأرض المنبسطّة أمام عينيه. تذكّر كيف، بغياب معلمه، أدار الكرة الأرضية بطرف إصبعه. ما أسهل المعجزة. عاد إلى أطلسه وبجنون راح يصبغ الأنهار والجبال والمدن بالألوان كما يشاء. رسم لنفسه خريطة جديدة وغيّر فها أسماء الأنهار والجبال. هل كان يقتفي أثر هولدرلين في جنونه؟

فكّر ديداليوس في ألس ومفتاح عجائبها، فكّر في حدائق النور. هل بمقدوره أن يعيش بلا أوهام؟ هذه بالضبط صناعة الفنّ. خلق واقع

أبعد ما يكون عن الواقع. هل الفنّ بديل عن الحياة أم مواساة؟ هل السراب أملٌ قاتل، أم يأس حيّ؟ ما ضرّ! مادام الفن يجعل العالم محتملاً. أقلّ إملالاً. ليكنْ ما يكون.

الفن أحياناً ينسيك العقارب و يحبب إليك صغارها. أما قال الشاعر:” أحبّ صغار الناس حتى صغار العقارب”؟ لله درّك. ما أنبلك.

*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كُتبتْ هذه المداخلة بالأصل باللغة الإنكليزية، وأُلقيتْ في البينالي الشعري العالمي بلييج- بلجيكا.

يبدو أن الأفعوان والحوض رمزان جنسيان في هذه القصيدة.

 

تعليقاتكم