أنطونيـــــو ماتشــــادو – قصـــــائد

أنطونيـــــو ماتشــــادو – قصـــــائد
 

أنطونيـــــو ماتشــــادو
Antonio Machado
(1939-1875)
ترجــمــة عبد الهـــادي ســـعــــدون
ولد في أشبيلية عام 1875 وتوفي عند الحدود الفرنسية عام 1936، هرباً من ديكتاتورية الجنرال فرانكو وبطشه بعد اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية ما بين شطري الجمهوريين واليمينيين الذين ترأسهم زمرة من العساكر بزعامة الجنرال فرانكو ليحكم بقبضة من حديد لم تفك حتى مماته في عام 1974. ينتمي لما يسمى بجيل الـ 1898، على الرغم من أنه دائماً ما يؤكد انتماءه لجيل 1914، أول أجيال القرن العشرين. صنع وزملاؤه الأدباء ما سمي في حينه (استرداد الحس الشعبي) كردة فعل ضد الأوضاع المتردية سياسياً واجتماعيا وثقافياً خاصة بعد أن خسرت إسبانيا ثقلها الاستراتيجي في العالم كله. لقد بدأ حياته الأدبية في وقت مبكر جداً، أول نصوصه الشعرية قد نشرها عام 1901 في مجلة ألكترا. أصدر أول كتبه بعنوان (عزلات) عام 1907 مروراً بديوان (حقول قشتالة) 1917، ووصولاً لديوانه الأخير (قصائد غنائية جديدة) عام1930، ترك بعد موته قصائد عديدة جمعت من قبل النقاد في مجموعة أشعاره الكاملة التي صدرت طبعتها الأولى عام 1945. كما أنه كتب كتباً تقترب من المنحى الفلسفي وإن لم يفارق الشعر فيها، فصبها في قالب تأملي غنائي، كما عليه كتابيه المهمين (آبل مارتين) و (خوان دي ماينيرا). بعد قيام الحرب الأهلية الإسبانية يعيش جزءاً منها في مدريد وسقوبية، لينتقل للعمل في الصحافة في مدينة برشلونة عام 1938. لكن سقوط المدينة على أيدي الفاشيست من قوات فرانكو، يضطره للهرب برفقة أمه العجوز مجتازاً الحدود حتى فرنسا. لكنه لن يعمِّر طويلاً فيموت في 22 من شهر شباط عام 1939 ويدفن في مدينة كويار الحدودية.
صورة شخصية
طفولتي ذكرياتُ باحةٍ في إشبيلية
و بستان مشرق بأشجار ثمر ليمون ناضج،
شبابي، عشرون عاماً في أرض قشتالة؛
تاريخي، بضعة أشياء لا أرغب في تذكرها.
لست غاوياً مثل مانيارا ولم أكن كـ برادومين
ـ أنتم تعرفونني من رداء هيئتي الخرقاء ـ
ولكنني تلقيت سهماً من كيوبيد
وعشقت الكثير منهن ما أن يلجأن لضيافتي
في عروقي يجري دمٌ متطرف
لكن شِعري ينبتُ من نبع صاف
لم أكن رجلاً يتلفع بمعارفه قط،
،ذلك أنني، بالمعنى الحق للكلمة
.لست سوى رجل طيب
عشقت الجمال
وقطفتُ وروداً عتيقة من حديقة رونشار
ولكني لا أحب زينة مواد التجميل اليوم
.ولست بطير مثل هؤلاء الناعقين الجدد
أزدري غناء المنشدين الخاوين
.وكذلك كورس الجداجد التي تغني للقمر
،تعلمتُ أن أميّز الأصوات من الصدى
.وأستمع فحسب، من بينها، لصوتٍ واحد
هل أنا كلاسيكي أم رومانتيكي؟لا أعرف.
أرغب أن أترك قصيدتي،
:مثلما يترك الفارس سيفه
،الشهير بسبب اليد الفحلة التي رفعته
.و ليس لرهافة المهنة الحرِّيفة للسياف
أتحدث مع الرجل الذي يرافقني دائماً
ـ الذي يتحدث وحيداً انتظاراً لأن يحاور الله يوماً ـ
سلوتي هي محاورة هذا الصديق الطيب
.الذي علَّمني سر حب البشر
،في الختام، لا شيء أدين به لكم
.إنما تدينون لي في كل ما كتبته
لعملي ألجأ، وبمالي أدفع ثمن
،بدلتي التي تسترني، والملجأ الذي يأويني
.الخبز الذي يغديني، والمخدع الذي أنطرح فيه
،وعندما يصل يوم الرحلة الأخيرة
وإقلاع السفينة التي لن تعود للخلف
ستجدونني على متنها، خفيف المتاع
.عارياً تقريباً، مثل أبناء البحر
أيها السائر
أيها السائر
خطواتك هي الطريق
ولا شيء آخر
أيها السائر
أيها السائر
لا وجود للطريق
.فالطريق تصنعه بمسيرك
الطريق تصنعه بمسيرك
و عندما تعود للنظر إلى الوراء
يرى الطريق
الذي لن تعود لوطئه أبداً
أيها السائر
لا وجود للطريق
.إنما هي آثار السفن في البحر
كل شيء يمضي
و كله يظل
لكن ما يعنينا هو المضي
المضي في الطرق
الطرق التي تؤدي إلى البحر.
 
 
 
(الجريمة حدثت في غرناطة)
 
1
الجريمة
 
الجريمة حدثت في غرناطة
 
 
لقد شوهد يسير وسط البنادق
في شارع طويل
يقود حتى الحقل البارد
.نجوم فجره متلألئة للآن
لقد قتلوا فدريكو
.ما أن أطل نور الصباح
عصبة الجلادين
.لم يجسروا النظر في وجهه
كلهم أغمضوا عيونهم؛
!صلّوا: ولا الرب ينقذك
سقط فدريكو ميتاً
ـدمٌ في الجباه و رصاص في الأحشاء ـ.
لتعلموا أن الجريمة حدثت في غرناطة
مسكينة غرناطة ـ في غرناطته
2
الشاعر و الموت
شوهد يسير وحيداً برفقتها
.دون خوف من منجلها
ـ ها هي الشمس تتنقل من برج لآخر؛
.و المطارق تهوي من سندان لسندان في كوة الحداد
،تحدث فدريكو
 
.مغازلاً المنيِّة. والمنيِّة تستمع له
” لأنني أيها الرفيقة
لقد حلمت البارحة في قصيدتي
بضربة راحتك الصلدة
و لففت أغنيتي بالبَرَدْ
و سلَّطت منجلك الفضي المشحوذ
على مأساتي
فإنني سأتغنى باللحم الذي لا تملكين
و العينين اللتين تفتقدين
و جدائلك التي تعصف بها الريح
…و شفتيك المتوردتين حيث يقبِّلونك
اليوم كما البارحة، إيه يا غجريتي
ما أحلى أن نكون معاً لوحدنا
في هواء غرناطة، غرناطتي
3
…لقد شوهد يسير
لتشيِّدوا أيها الصحب
،نصباً للشاعر في الحمراء
من حجر و حلم
فوق نبع تبكي مياهه
:و تردد للأبد
!الجريمة حدثت في غرناطة، في غرناطته
!مدريد يا مدريد
يا لروعة اسمك يتردد
!محطَّماً أمواج كل إسبانيا
الأرض تطلق والسماء ترعد
.وأنت تبتسم، ممتلئة أحشاؤك بالرصاص
 
 

: من كتاب

هكذا هي الوردة
(أنطولوجيا الشعر الإسباني في القرن العشرين)
(قرن من الشعر الإسباني الحديث 1900 ــ 2000)

*

 

تعليقاتكم