فدريكو غارثيا لوركا: نصف رغيف وكتاب

فدريكو غارثيا لوركا: نصف رغيف وكتاب

​​
“نصف رغيف وكتاب”
فدريكو غارثيا لوركا
عن الاسبانية ترجمة: حسين نهابة
نص الخطاب الكامل الذي القاه الشاعر الإسباني “فدريكو غارثيا لوركا” في ايلول 1931 اثناء افتتاح المكتبة العامة للقرية التي وُلد فيها “فوينته باكيروز -غرناطة”.

اعزائي ابناء قريتي واصدقائي
قبل كل شيء اود ان اقول لكم باني لا اتكلم بل اقرأ. انا لا اتكلم، لان الشيء ذاته حدث مع “كالدوس” ومع جميع الشعراء والكتّاب الذين مرّوا بنا، لأننا اعتدنا قول الاشياء بسرعة وبطريقة دقيقة، ويبدو ان الخطابة هي اسلوب تذوب فيه الأفكار ولا تبقى منه سوى الموسيقى اللطيفة فيما تحمل الريح باقي الأشياء.
اعتدت ان تكون كل محاضراتي مقروءة، اي انها عملية اكثر مما هي نظرية، لكن التعبير في نهاية الأمر يظل اكثر رسوخاً لأنه مكتوب وثابت ويمكن ان ينفع في تعليم الناس الذين لا يسمعون او غير الحاضرين هنا.
لابد ان اعبر عن امتناني لهذه القرية التي وُلدتُ وقضيتُ طفولتي السعيدة فيها، للتكريم الذي لا استحقه، من خلال تسمية الجادة القديمة للكنيسة ، بإسمي. مُخلصاً اقدم لكم شكري من الأعماق. حين اكون في مدريد او اي مكان آخر، يسألني الصحفيون او اية جهة أخرى عن ولادتي، فأقول لهم بأني وُلدتُ في “فوينته باكيروز” القرية الناضرة الحرة التي تحمل بمجدها وشهرتها، لطافة وحداثة. جميعكم تعرفون بأن المدح الذي اكيله لها كشاعر وابن لها، نابع من عدم وجود قرية أخرى اكثر جمالاً وغنى وقدرة عاطفية من هذه القرية الصغيرة في عموم ريف غرناطة. لا أريد ان اقلل من شأن ايّ من القرى الجميلة في ريف غرناطة لكن لديّ عينين في وجهي وبعض الفطنة لأُثني على قريتي الغافية على هذا الغدير. من كل الجهات تصدح السواقي وتنمو اشجار الحور العالية حيت يتردد صدى الريح بموسيقاها العذبة صيفاً. في قلبها يجري نبع لا ينقطع وتعلو سقوفها القرميدية جبال الريف الزرقاء بعيدة ونائية وكأنها لا تريد لصخورها ان تصل الى هنا، ارض نابضة غاية في الترف تنمو فيها كافة انواع الفواكه.
طبيعة سكانها مميزة عن باقي القرى المُتاخمة، فصبي “فوينته باكيروز” يُعرف من بين الف، بظرافته وقبعته المائلة الى الخلف وحركات يده اثناء الحوار واناقته. وعادة ما يكون سبّاقاً بين جموع الأجانب في تقبل فكرة معاصرة ومد جسر العون بمبادرة نبيلة. ستعرفون فتى “فوينته” بين الف من خلال رشاقته، حيويته واجتهاده في التفوق
ان سكان هذه القرية لديهم احساس فني بالفطرة يمكن لمسه بوضوح بالأشخاص الذين وُلدوا فيها. احساس فني بالسعادة التي تحملها الحياة.
في مناسبات عديدة لاحظت، اثناء دخولي للقرية، جلبة وحركة نابعين من قلبها. ضجيج، ونغمة لحماس اجتماعي وادراك بشري. لقد زرت آلاف القرى الصغيرة مثل هذه، وتمكنت من شم الحزن الدفين الذي يُولد مع الفرد ليس فقط جرّاء الفقر، بل عن الاحباطات وعن الجهل. ان القرى التي تعيش مُلتصقة بالأرض فقط، يتكوّن لديها انطباع مُرعب عن الموت، مالم تنهض بها ايام ملونة ناثرةً سلامها الاجتماعي عليها.
هنا في قرية “فوينته باكيروز” ثمة توق للتقدم والتمتع برغيد للحياة، انطلاقاً من الحماس الفني وحب الجمال والثقافة.
لقد رأيت الكثير من الرجال المُتعَبين عائدين من حقولهم الى المنازل، يجلسون هادئين كأنهم تماثيل، بانتظار يوم آخر وآخر وآخر، بالوتيرة ذاتها دون ان تثور في ارواحهم رغبة في التعلم. رجال عبيد للموت، لا يطال ارواحهم البشرية اي بصيص للنور او للجمال، فهذا العالم، حسب رؤيتهم، لا يوجد فيه سوى الحياة والموت وهناك ملايين البشر الذين يتحدثون، يعيشون، ينظرون، يأكلون، لكنهم موتى، اكثر موتاً من الصخور، واكثر موتاً من الأموات الحقيقيين الذين ينامون تحت التراب، لان ارواحهم ميتة. ميتة مثل طاحونة لا تطحن، ميتة لأنها لم تجرب الحب، ولا بذرة التفكير، ولا الايمان، ولا التطلع للحرية التي لا غنى عنها عند الانسان لكي يتمكن من ان يكون جديراً بهذا الاسم. هذا هو واحد من البرامج التي تُؤرقني كثيراً في الوقت الراهن، اصدقائي الأعزاء.
حين يذهب احد الى المسرح او الى حفلة موسيقية او احتفال من اي نوع، فأنه يتأسف، ان اعجبته الفعالية، على الاشخاص الذين يحبهم، والذين غير موجودين معه هنا ويقول مع نفسه “سيروق هذا لأختي، لأبي” ولا يستمتع بالمشهد سوى من طريق حسرة خفيفة. هذه الحسرة التي اشعر بها، ليست لأجل افراد عائلتي فحسب، بل لأجل جميع المخلوقات التي، بسبب نقص الوسائل ولسوء حظها، لا تتلذذ جيداً بجمال الحياة، الطيبة، الهدوء والعاطفة.
لهذا السبب لا امتلك اي كتاب، لأني اهديه حالما اشتريه وانتهي من قراءته، ولهذا السبب انا هنا مُتشرفاً بكم وسعيداً باعتلاء منصة مكتبة القرية هذه، الأولى على محافظات غرناطة كلها بالطبع.
“ليس بالخبز وحده يحيا الانسان. وان شعرت بالجوع والعوز في الشارع، فلن اطلب رغيفاً، بل سأطلب نصف رغيف وكتاب. واحمّل المسؤولية منذ الآن وبقوة اولئك الذين يطالبون بتحسين المستوى الاقتصادي دون ان يتحدثوا عن المستوى الفكري الذي تطالب به الشعوب بعنف”. البشر جميعهم يأكلون، لكن ليسوا جميعهم يعرفون. اتمنى ان يتمتعوا بكل فواكه الروح الانسانية، والاّ اصبحوا ماكينات في خدمة بعض الطبقات وعبيداً للمنظمات الاجتماعية المُرعبة.
اشعر بالأسف الشديد على انسان يريد ان يتعلم ولا يستطيع، اكثر من ان اتأسف على انسان جائع، لان الجائع يمكن ان يهدّأ جوعه بسهولة بكسرة رغيف او فواكه، لكن الانسان الذي يتطلع للمعرفة ولا يمتلك الوسائل، سيعاني من احتضار مُريع لانه يحتاج الى كتب، الى الكثير من الكتب، فأين هذه الكتب.

كتب، المزيد من الكتب! لابد ان اذكر هنا كلمة تستحق ان تُقال: “حب، ب” ولابد للشعوب ان تطالب بها مثل مطالبتها بالخبز، ومثل اشتياقهم للمطر لأجل مزروعاتهم”. حين كان الكاتب الشهير “فيودور ديستوفكسي” اب الثورة الروسية اكثر من “لينين” مسجوناً في “سيبيريا” مُبعداً عن العالم بين اربعة جدران قريباً من سهول الثلج الشاسعة المقفرة، كان يطلب اغاثة من خلال رسائل يبعثها الى عائلته البعيدة قائلاً: “ابعثوا لي بكتب، كتب، الكثير من الكتب لكي لا تهلك روحي”. كان يشعر بالبرد فلم يطلب النار. كان يشعر بظمأ، ولم يطلب الماء بل كان يطلب كتباً، اي آفاق، اي سلالم ليعتلي قمة الروح والقلب، لان الألم الجسدي المُبرح والبايولوجي والطبيعي للجسم بسبب الجوع، العطش او البرد، يدوم قليلاً، لكن احتضار الروح الظمأى يستمر طول الحياة.

يقول الكبير “مينيندز بيدال” احد علماء اوربا الحقيقيون، ان شعار الجمهورية يجب ان يكون: “ثقافة”. فقط من خلالها يمكن ان تُحل المشاكل التي يعاني منها في الوقت الحالي الشعب المليء بالإيمان، غير المتشبع بالنور. ولا تنسوا ان النور هو اساس كل شيء، وانه استوطن بعض الأفراد فخلقوا المعرفة واشاعوا الأمم التي تعيش وتكبر من خلال الافكار التي وُلدت في عدد من الرؤوس المتميزة.

وعليه لا تتصورا مقدار الفرحة التي انبثقت فيّ حال وصولي الى المكتبة العامة لـ “فوينته باكيروز”. مكتبة تزخر بكتب مُنتقاة، صوت ضد الجهل ونور عامر ضد الظلام.

لا احد تنبه، حين يكون بين يديه كتاب، الى الجهد، الألم، سهر الليالي والدم الذي صُرف. الكتاب دون منازع، عمل انساني جبّار. كثيراً ما ينام شعب ما، مثل مياه بركة راكدة في يوم لا ريح فيه، وليس هناك ادنى حركة تعكر هدوء هذا الماء. الضفادع تنام في العمق والعصافير واقفة على اغصان الأشجار المحيطة بها. وفجأة تسقط حجارة. سترون انفجاراً من الدوارات المتمركزة التي تحيق بها، وامواجاً كروية تتزاحم مع بعضها تتحطم على الحواف. ستشهدون هياجاً غير متوقع للمياه، فيما تتحرك الضفادع في كل الاتجاهات، مُحدثة اضطراباً على الامواج، وحتى العصافير التي كانت نائمة على الاغصان الوارفة، تقفز مُتهيئة اسراباً للتحليق في السماء الزرقاء. كثيراً ما ينام شعب ما، مثل مياه بركة راكدة في يوم لا ريح فيه، وكتاب واحد او كتب يمكن ان تحرّكه وتحدث فيه هياجاً وتفتح له آفاقاً من الرقي والتفوق.

كم من الجهد يتطلب من الانسان لإنتاج كتاب! واية تأثيرات كبيرة يُحْدِثها واحدثها وسيُحْدِثها! وقد قالها العبقري “فولتير” ان العالم المتحضر بأجمعه يُحكم بعدد من الكتب: الانجيل، القرآن، وكتب كونفوشيوس وزرادشت. ان الروح والجسد، الصحة والحرية، والمال تخضع وتعتمد على تلك الكتب العظيمة. واضيف انا: ان كل شيء ينتج من طريق الكتب، فالثورة الفرنسية خرجت من الانسكلوبيديا وكتب “روسو” وكل الحركات العمالية والشيوعية الحالية انبثقت من كتاب “رأس المال” العظيم لكارلوس ماركس.

لكن قبل ان يتمكن الانسان من انشاء الكتب ونشرها، لابد ان نفكر في المأساة والصراع المرير الذي خاضه من اجل هذا الهدف. كان الانسان البدائي يعمل كتبه من الحجر، اي انه كان يكتب رموز اديانه فوق الجبال. لم يكن لديه وسيلة اخرى، فكان ينقش على الحجر حنينه واشتياقه للخلود والبقاء على قيد الحياة، والذي يميز الانسان عن الحيوان. ثم بدأ يستخدم المعادن. هارون، كاهن العبرانيين، شقيق موسى كان يحمل الالواح المنقوشة من الذهب على صدره، وكذلك اعمال الشاعر اليوناني “هيسيودو” الذي كان اول من رأى آلهة الشعر ترقص فوق قمم جبال “هليكون”، كانت تُكتب على صفائح من الرصاص. ثم بدأ الكلدان والاشوريون يكتبون مخطوطاتهم وتاريخهم على الآجر، فكان لديهم مكتبات عظيمة من الألواح الفخارية لانهم كانوا شعباً مُتحضراً ومُتفوقاً في علم الفلك، وهم اول من بنى الابراج العالية وخصصوها لدراسة قباب السماء.

كان المصريون يكتبون على بوابات معابدهم المُدهشة، وفوق قطع نباتية مستطيلة قابلة للطي، تُدعى “بردي”. وهنا يبدأ الكتاب الفعلي. ولأن المصري كان يمنع تصدير هذه المادية النباتية، ولان شعب “بيركامو” كان يرغب بامتلاك مكتبة وكتباً، بدأ يستخدم الجلود الجافة للحيوانات، للكتابة فوُلد “الرق” الذي انتصر فيما بعد على “البردي” وأُستعمل كمادة متفردة لصناعة الكتب، حتى أُكتشف الورق.

انني اذ اتحدث لكم باختصار عن هذا التاريخ، لا تنسوا بان بين حدث وآخر قرون عديدة، لكن الانسان ما يزال يكافح بأظافره وعيونه ودمه من اجل خلود، اشاعة وترسيخ الفكر والجمال.
حين يحدث لمصري ان لا يبيع “بردي” لأنه بحاجة اليه او لأنه لا يريد، مَن مِن “بيركامو” سهر ليالٍ، ايام وسنوات بأكملها مكافحاً من اجل التوصل للكتابة على جلود الحيوانات الجافة؟ اي رجل او اي رجال، اولئك الذين يبحثون وسط اوجاعهم، عن مادة ينقشون عليها افكار حكمائهم وشعرائهم العظام؟ لم يكن رجلاً واحداً ولا مائة رجل. انها الانسانية بأجمعها، دفعت بعجلتهم الى الأمام على نحو خفي.
وبالـ “الرق” الذي أُعتبر بؤرة نور حقيقة للثقافة الكلاسيكية، تم انشاء مكتبة “بيركامو” العريقة. وبه كُتبت مخطوطات عظيمة. يقول “ديودورو دي سيسيليا” ان الكتب الفارسية المقدسة كانت تأخذ حيزاً في “الرق” لا تقل شأناً عن الألف ومائتي جلد من جلود الثيران.
كانت “روما” بأجمعها تكتب بـ “الرق”. كل اعمال الشعراء اللاتينيين العظام، والتي تعتبر قدوة خالدة من حيث الإتقان والجمال، كانت تُكتب على “الرق” ومنه “الفردوس المفقود” لفيرجيل. وعلى الجلد الأصفر ذاته كانت تلتمع الأنوار الكثيفة للكلمات الزاهرة للإسباني “سينيكا”.
ووصلنا الى الورق. عُرف الورق منذ قديم الزمان عند الصينين اولاً. كان يُصنع من الرز. وأُعتبرت هذه الصناعة قفزة جبّارة في تاريخ العالم، وتحول نوعي في الحضارة، بدخول الورق الصيني الى الغرب. انه اليوم المجيد 7 تموز عام 751 ميلادية. ويتفق المؤرخون العرب والصينيون على هذا الشأن.
وحدث ان العرب بصراعهم مع الصين في كوريا، تمكنوا من عبور حدود “الامبراطورية السماوية” وأسر الكثيرين منهم، والذي كان مهنة بعضهم صناعة الورق، ومنحوا العرب سرها. حُمل هؤلاء الأسرى الى سمرقند حيث مارسوا مهنهم تحت حكم الخليفة هارون الرشيد، الشخصية الغريبة التي غرست قصص “الف ليلة وليلة”.
كان الورق يُصنع من القطن، لكن بسبب قلة المنتوج هناك، شرع العرب صناعته من الخرق القديمة وهكذا ساعدوا على ظهور الورق الحالي. لكن الكتب لابد ان تكون على هيئة مخطوطات. كان يكتبها ناسخون، رجال صابرون كانوا ينسخون صفحة تلو اخرى بإتقان ورقي، لكن كانوا نادرين هؤلاء الاشخاص الذين يمتلكون هذه المَلَكة.
كانت مخطوطات الورق اكثر شيوعاً حتى وان كانت بين الطبقات العليا، من مجموعات البردي المطوية او الرق الذي ينتسب الى المعابد. وبهذه الطريقة أُنشئت الكثير من الكتب دون ان يختفي الرق، وظلت مادةً تُرسم عليها بعض الفنون الراقية بألوان حية غاية في الجمال، وما تزال بعض المكتبات تحتفظ بالكثير من هذه الكتب التي تُعتبر مثل جواهر حقيقية اكثر قيمة من الذهب ومن الأحجار الكريمة. وقد قرأت بفرح غامر العديد من هذه الكتب التي وقعت بين يديّ، ومنها بعض المخطوطات العربية في مكتبة “الاسكوريال” وكتاب “التاريخ الطبيعي” لـ “البرتو ماغنو”، وهو مخطوطة منذ القرن الثالث عشر موجودة في جامعة غرناطة، والتي قضيت معها ساعات بأكملها دون ان اتمكن من أُبعد عيوني عن صور الحيوانات المرسومة بفرشاة اكثر نعومة من الهواء، حيث الألوان الزرقاء، الوردية، الخضراء والصفراء تشكل لوحات كأنها ارغفة من ذهب.
لكن الانسان كان يطلب المزيد. كانت البشرية تدفع بعض الرجال لكي يفتحوا بفؤوس نورهم، الغابة الغبية جداً للجهل. كانت الكتب، التي من المفترض ان تكون للجميع وفي مقدمة الاحتياجات، مقتصرة على الاثرياء. ففي الجبال، السهول، المدن وضفاف الأنهر، كان يموت ملايين البشر الذين لم يتذوقوا مطلقاً نكهة الحرف. ان الثقافة الكبرى للأقدمين كانت منسية، والخرافات المُريعة كانت تخيم على سرائر المجتمع.
يُقال ان وجع المعرفة يفتح الأبواب المُقفلة، وهذه حقيقة. هذا القلق الغامض للإنسان، دفع اثنين او ثلاثة لإجراء دراساتهم وابحاثهم، وهكذا ظهر في القرن الخامس عشر في مدينة “ماكونثيا” الألمانية، اول مطبعة في العالم. وتنافس العديد من الاشخاص على الاختراع، لكن “كوتنبرغ” يُعد اول من نال براءة اختراعها، وقام بتأسيس الحروف العمودية وختمها، وبهذا تمكن من اعادة انتاج النماذج النهائية للكتاب. ما اجمله من شيء بسيط! ما اجمله من شيء صعب! قرون وقرون انقضت قبل ان يتمخض العقل البشري عن هذه الفكرة. واصبحت مغاليق الأسرار جميعها تحت ايدينا وتحيط بنا بثبات، لكن كم من الصعوبات وُوجهت لفتح الفجج الصغيرة التي كانت تعيش مُتخفية!
احداث قليلة في تاريخ العالم تُعد اكثر اهمية من اختراع المطبعة، ومنها الحدثين الكبيرين، اختراع البارود واكتشاف امريكا. فاذا كان البارود قد عمل على انهاء الاقطاعية ووحّد الجيوش الكبيرة والقوات الدولية بعد ان كانت متفرقة بين النبلاء، ومهّدت ولادة امريكا لحياة جديدة لحمولات التاريخ وانهت السر الجغرافي الالفي، فأن الطباعة سوف تتسبب بثورة في الأرواح اكبر من التي قامت بها بعض المجتمعات. يا لها من ولادة صامتة وخجولة! بينما كان البارود يفرقع نيرانه الوردية على الحقول، والمحيط الاطلسي يمتلئ بالمراكب المترعة تتأرجح مع الريح ذهاباً واياباً مُحمّلة بالذهب والمواد الثمينة، كان “كريستوبال بلانتيونو” من مدينة آمبرز يعمل بصمت لوضع قاعدة متينة للمطبعة ولأكثر المكتبات اهمية في العالم، فكانت في نهاية الأمر الكتب الرخيصة.
اذن الكتب القديمة التي تبقى نسخة او نسختين او ثلاثة من كل واحد منها، تتراكم على ابواب المطابع وعلى ابواب بيوت الحكماء تطلب النجدة لتُطبع وتُترجم وتُنشر على وجه الأرض. تلك هي اللحظة العظيمة للعالم. انها (النهضة). انه الفجر المجيد للثقافات الحديثة التي تعيش بها.
قبل قرون عديدة من هذا الحدث، وبعد سقوط الامبراطورية الرومانية والتوسعات البربرية، وانتصار المسيحية، اصبح الكتاب في خطر كبير. كانوا يقومون بهدم المكتبات وبعثرة الكتب، فكان علم الفلسفة وقصائد الأقدمين على وشك الاندثار، بما فيها القصائد الهوميرية، اعمال افلاطون الفكر الأغريقي، نور اوربا، القصيدة اللاتينية، قانون روما، وكل شيء. وبفضل حرص واهتمام الرهبان، لم ينقطع الخيط، وعملت الأديرة وعملت الأديرة القديمة على انقاذ الإنسانية. والتجأت الثقافة والمعرفة بأجمعها الى اروقة الاديرة حيث حفظ ودرس الرجال الحكماء والبسطاء دون خيال ولا تصلب، الأعمال العظيمة التي لا يستغني عنها الأنسان. لم يقوموا بهذا فحسب، بل درسوا اللغات القديمة لاستيعابها وبهذا منحوا الفرصة لفيلسوف وثني مثل ارسطو ان يتأثر بالفلسفة الكاثوليكية. وخلال العصور الوسطى، جمع وحفظ رهبان “آثوس” عدداً لا يحصى من الكتب، ولهم يرجع الفضل فيما وصلنا من اجمل الأعمال القديمة.
وهكذا بدأت تباشير الهواء النقي للنهضة الايطالية وبدأت المكتبات تنتشر في كل مكان. وأُخرجت الى النور تماثيل الآلهة القديمة، تتصدر المعابد الجميلة جداً برفعتها المرمرية، وفُتحت اكاديميات مثل “كوزمي دي مديثيس” التي تأسست في “فلورنسا” لدراسة اعمال الفيلسوف افلاطون، ولن يتورع البابا الكبير نيقولاس الخامس الى ارسال وسطاء الى كافة انحاء العالم لاقتناء الكتب ودفع مبالغ كبيرة الى مترجميه.
مع هذا الثراء المعرفي، كانت الخطوة الأعظم للمؤلف “كريستوبال بلانتينو” في آمبرز. كان من تلك البيوتات التي تكسوها اشجار اللبلاب نوافذ من الرصاص التي اخرجت الى النور كتباً رخيصة تضطرم رغبة في الانتصار على الجهل الذي كان متفشياً بوجوه عديدة، ولا يغرب عن بالنا بانه حيث يوجد الجهل، فمن السهل جداً ان يختلط الشر مع الخير والحقيقة مع الكذب.

ومن الطبيعي ان اصحاب النفوذ ممن كانوا يمتلكون مخطوطات وكتباً من الرق، كان يهزأون من الكتب المطبوعة بورق على انها اشياء قابلة للتلف ويمكن ان ينالها الجميع. كانت كتبهم مرسومة بثراء بزخارف من ذهب، بينما كانت الأخرى مكتوبة بحروف على ورق بسيط. لكن في اواسط القرن الخامس عشر، وبفضل الرسامين الاندلسيين الرائعين، اخوان فان كوخ، الذين كانوا السباقين في الرسم بالزيت، ظهرت النقوش على الكتب التي امتلأت بالصور والتي ساعدت القارئ على نحو ملحوظ. وفي القرن السادس عشر، استطاع العبقري “البرتو دوريرو” من تطويرها، فمكّن الكتب من ان تُصاغ مع مناظر طبيعية، هيئات مُصوّرة، ورسومات، وتواصلت عملية اتقانها وتطويرها خلال القرن السابع عشر، لنصل الى القرن الثامن عشر حيث معجزة اللوحات وقمة جمال الكتب المصنوعة من ورق.
وتُوج القرن الثامن عشر بمطبوعات جميلة. كانت الكتب المليئة بالنقوش والصور، تُطبع باهتمام وشغف كبيرين. ورغم التقدم الهائل الذي تلاها ولغاية القرن العشرين، الا ان طباعة الكتب لم تتطور كثيراً.
ولم يعد الكتاب منفذاً للثقافة عند القليلين، انما اصبح عنصراً اجتماعياً فعّالاً، اذ انبجست “الثورة الفرنسية” التي تُعد اول عمل اجتماعي للكتاب، رغم الاضطهادات والظروف السيئة التي تعرضت لها.
لم يستطع الاضطهاد ان يقف بمواجهة الكتاب، ولا حتى الجيوش ولا الذهب ولا الظروف البائسة، لأنكم ربما تستطيعون اخفاء كتاب، لكنكم غير قادرين على قطع الاف الرؤوس التي انتجته.
لقد قُمعت الكتب من قبل الكثير من الفئات والأديان، لكن هذا لا يعني شيئاً بالمقارنة مع محبيها. اذا كان امير شرقي متعصب قد احرق مكتبة الاسكندرية، فأن اسكندراني مقدونيا ارسل لبناء صندوق ثمين جداً من المينا والاحجار الكريمة ليحتفظ بـ “الياذة هوميروس” وصنع العرب في قرطبة تحفة “مراحب” لمسجدهم لأجل ان يحتفظوا في اعماقها بـ “القرآن” الذي ينتسب الى الخليفة عمر. وانتشرت المكتبات في جميع ارجاء العالم رغماً على كل مخرّب، ونراها اليوم حتى في الشوارع وعلى الهواء الطلق لحدائق المدن.
الكثير من دور الطباعة والنشر تعمل جاهدةً كل يوم على تخفيض الأسعار ليكون المطبوع في متناول يد الجميع سواء الكتب اليومية العظيمة (الصحف) او الكتاب المفتوح المتكون من صفحتين او ثلاثة الذي يصل فوّاحاً وبمداد اخضر، هذه الوسيلة التي تسمع من خلالها احداث العالم دون انحياز على الاطلاق، من خلال آلاف الجرائد التي تُعد نبضات صادقة لقلب العالم بأجمعه.
للمرة الاولى في تاريخها القصير، يكون لهذه القرية بداية مكتبة. المهم في الأمر ان نضع حجر الاساس لأنني والجميع سنتعاون لكي ينهض المبنى. انه فعل مهم ان يمتلأ قلبي فرحاً وان اتشرف اي يرتفع صوتي في يوم الافتتاح هذه لان عائلتي تعاونت بصوة غير اعتيادية لدفع عجلة الثقافة هنا. والدتي، مثلما تعرفون كلكم، علّمت الكثير من سكان هذه القرية لأنها جاءت الى هنا لكي تُعلّم واتذكر جيداً باني كنتُ في صغري اسمعها تقرأ بصوتٍ عالٍ ليكون مسموعاً من الجميع. واجدادي خدموا هذه القرية بروح حقيقية حتى ان الكثير من الموسيقى والأغاني التي ما تزال تُنشد، كانت من تأليف شاعر قديم من عائلتي. لهذا اشعر بسعادة غامرة في هذه اللحظة واتوجه للأثرياء طالباً منهم يد المساعدة بمنح المال لشراء الكتب وان يضعوا هذا العمل في مقدمة اولوياتهم كواجب. اما الذين لا يملكون المال الكافي، فأطالبهم بالحضور للقراءة، ان يحضروا لبذر الأفكار الذكية كوسيلة متفردة للتحرر الاقتصادي والاجتماعي. من الواضح ان المكتبة تُغذّى بكتب جديدة وقرّاء جدد وان الاساتذة لم يعودوا يجتهدون في تعليم الأطفال بطريقة نمطية، مثلما ما يزال يفعل البعض للأسف الشديد، بل عملوا على اضفاء روح ونكهة للقراءة.
ما احلى الكتاب! من المُفرح ان الكتب بدأت تتوافد على مكتبة “فوينته”. كتبتُ الى دار الطباعة والنشر التابعة الى “السكن الطلابي في مدريد” حيث درست فيها سنوات عديدة، والى دار نشر “اوليسيس” حول امكانية ارسال مجاميعهم الكاملة الى هنا، وسأقوم انا بالطبع بإرسال الاصدارات التي كتبتها واصدارات اصدقائي.
المكتبة بحاجة الى كتب من جميع الأصناف والتوجهات: الكتب السماوية، المتنورة، الصوفية وكتب القديسين والثوريين والرجال الفاعلين والمتميزين. واتمنى ان تكون فيها “الأنشودة الروحية” لـ “سان خوان دي لا كروز” التي تُعد من قمم الشعر الاسباني، وكذلك اعمال “تولستوي” التي توازي في اهميتها كتاب “مدينة الله” لـ “سان اوغسطين”، اضافة الى “زرادشت” لـ “نيتشه” او “رأس المال” لـ “ماركس”، لان كل هذه الأعمال يا اصدقائي الأعزاء، تتماشى مع نسمة العشق البشرية والسمو بالروح، وبالتالي فهي تتلاقح وتحتضن المثل العليا.
مرحى للقرّاء، للكثير من القرّاء! انا اعرف ان فرص النبوغ لا تتشابه عند الجميع، مثل الوجوه، فالبعض يمتلك ذكاءً خارقاً والبعض اقل منه درجةً، مثلما توجد وجوه وسيمة ووجوه قبيحة، لكن كل واحد سيستخرج من الكتاب ما يمكنه، وعادة ما يكون نافعاً فيما سيكون مُنقذاً للبعض. هذه المكتبة يجب ان يكون له هدف اجتماعي، وانا على ثقة تامة بان عدد القرّاء سيزداد مثل زيادة الكتب فيها، وفي غضون سنوات سينهض المستوى الثقافي للقرية. وارجو ان يستثمر هذا الجيل الذي يسمعني الآن كل ما امكنهم من تحضيرات وكتب، خدمةً لأبنائكم. لأن من الضروري ان يعرف الجميع بأننا لا نعمل لأنفسنا بل للقادمين بعدنا، وهذه هي الروح الأخلاقية لكل الثورات، والروح الحقيقة للحياة.
الآباء يناضلون من اجل ابنائهم واحفادهم، والأنانية تؤدي الى العقم. والانسانية اليوم تحاول ان تُجهز على التمايز الطبقي، من خلال التعلم وروح التضحية ونكران الذات في مختلف القطاعات، لتعزيز الثقافة، المُنقذ الوحيد للشعوب.انا على يقين بأن “فوينته باكيروز” التي كانت دائماً قرية خيال حي وروح شفافة وباسمة مثل المياه التي تجري في ينابيعها، ستخرج بالكثير من هذه المكتبة مما سيحمل في ضميرها كل السعادة والشوق للمعرفة. لقد شرحتُ لكم الجهود التي كلفت الأنسان حتى تمكّن من انتاج الكتب حتى يطالها الجميع. اتمنى ان يخدم هذا الدرس الصغير والمتواضع، كل الذين احبوا الكتب وبحثوا عنها مثل بحثهم عن صديق، لأن الانسان والاشجار تموت بينما تبقى الكتب حية، خضراء متجددة ابداً تفتحها في اية دقيقة وفي اية ساعة بحثاً عن اجابة لسؤال او تسلية.
انت تعرفون بالطبع بان التقدم الاجتماعي والثورات التي قامت بمساعدة الكتاب، والرجال الذين يوجهونها ويموتون مرات كثيرة مثل “لينين”، كانوا على درجة عالية من التعلم والرغبة في التبحر بالمعرفة. السلاح والدم ليسا بذات قيمة اذا لم تكن الأفكار مُوجّهة بصورة جيدة. ومن المفيد ان اقول ان الشعوب تقرأ لكي تتعلم، لا رغبة في التحرر فحسب بل في ادراك الاستيعاب المتبادل للحياة.
اتقدم بالشكر للجميع وللقرية واخص بالشكر الجمعيات الاجتماعية التي كان ترافقني دائماً بمختلف قطاعاتها، والشكر موصول لرئيس بلديتكم سيد “رافائيل ستنجيث رولدان” الرجل الحقيقي الفاضل والأبن البار لهذه القرية الذي حصل على شهرة ومعرفة عصره، بجهوده المتواصلة، بما فيها هذه المكتبة العامة.
تحياتي للجميع احياءً وامواتاً لانهم جميعاً ساهموا في بناء البلد. اتمنى السعادة للأحياء، ولأرواح الأموات السكينة، لانهم جزء من ميراث القرية ولأننا لولاهم ما كنا هنا. اتمنى لهذه المكتبة ان تنفع في توقد السلام والهدوء الروحي والسرور لهذه القرية الثمينة، حيث اتشرف بولادتي فيها، ولا تنسوا المقولة الأبدية التي كتبها ناقد فرنسي في القرن التاسع عشر: “قل لي ماذا تقرأ،أقول لك مَن انت”.
1931ايلول

 

تعليقاتكم