هيرمان هسّه : قراءة وامتلاك كتاب

هيرمان هسّه : قراءة وامتلاك كتاب
عن الاسبانية ترجمة: حسين نهابة
 
 
يسود الاعتقاد بيننا، اعتبار كل ورقة مطبوعة، هي ذات قيمة، وان كل ما مطبوع هو ثمرة لجهد فكري يستحق التقدير.
 
بين الحين والآخر، قد يجد المرء بجانب البحر او في الجبال، شخصاً ما معزولاً لم ينل مد الورق حياته بعد، ربما بحوزته تقويم او كرّاس او حتى صحيفة ثمينة وجديرة بالحفاظ عليها. اعتدنا ان نتسلم في بيوتنا مجاناً كميات كبيرة من الورق، وان الصيني الذي يفكر بان كل ورقة مكتوبة او مطبوعة هي شيء مقدس، يجعلنا نبتسم.
 
مع ذلك ما يزال احترام الكتاب قائماً، على الرغم من انه صار مُؤخراً يُوزع مجاناً لتصفية البضاعة. اما بالنسبة الى الآخرين، واخص منهم بالذكر الشعب الالماني، فقد ازدادت حمية اقتناء الكتب.
 
مؤكد انه لم يُعرف بعد ما يعنيه حقيقة، اقتناء كتاب. الكثير يرفضون صرف 10% من المبالغ المخصصة للبيرة او للتفاهات الأخرى، على كتاب. اما الآخرون من الطراز القديم، فالكتاب بالنسبة اليهم شيء مقدس مركون في صالة الجلوس على شرشف من المخمل الناعم، يعلوه الغبار.
 
اجمالاً، ان كل قارئ حقيقي هو صديق الكتاب، لان الذي يعرف كيف يحتفي ويعشق الكتاب بكل جوارحه، يشتهي ان يكون له ما امكنه ذلك، ويرغب قراءته ثانية وامتلاكه والشعور بانه بالقرب منه دائماً. ان استعارة كتاب، قراءته واعادته، هو أمر بسيط. بشكل عام ان ما يُقرأ بهذه الطريقة، يمكن ان يُنسى سريعاً مثل سرعة اختفاء الكتاب من البيت. هناك قرّاء وخاصة النساء المُتفرغات، قادرين على التهام كتاب كل يوم. بالنسبة لهؤلاء، فان المكتبة العامة هي في النهاية ينبوع مناسب لانهم في كل الحالات لا يريدون تجميع كنوز، او اقامة صداقات واثراء حياتهم، انما ترضيةً لطموح ما. بالنسبة للقارئ الجيد، ان قراءة كتاب يعني الطريق لمعرفة كيف يكون كائناً نافعاً وكيف يفكر تفكيراً ايجابياً ومحاولة استيعاب شخصيته والتعايش معها سلمياً.
 
عندما نقرأ للشعراء، لا يعني اننا بصدد معرفة عالم صغير من الاشخاص والافعال، انما نحاول ان نسبر اغوار الكاتب، طريقته في الحياة ورؤية الاشياء، خُلُقه ومظهره الداخلي واخيراً خطه وموارده الفنية وايقاع تفكيره ولغته. ان الذي يبقى مشدوداً يوماً ما لكتاب، فلأنه بدأ بمعرفة المؤلف وارتبط مع اصداراته بعلاقة. هذا القارئ يشرع عادةً بالتأثر بالكتاب على نحو عاقل. ولهذا لن ينفصل عنه ولن ينساه، بل سيحافظ عليه، اي سيشتريه ليقرأه ويعيش بين صفحاته عندما يرغب به. ان الذي يشتري هكذا ويقتني فقط تلك الكتب التي تصل الى قلبه من خلال نغمتها وروحها، سيترك عاجلاً التهام القراءة العمياء وستلتف حوله مع الوقت مجموعة من الأعمال الحبيبة والقيّمة التي سيجد فيها سعادة وحكمة، وستكون اكثر ثراءً من مجرد القراءة العشوائية العرضية لكل ما يقع بين يديه.
 
لاوجود لألف او مائة “افضل كتاب”. لكل فرد ثمة سلسلة خاصة قريبة على فهمه وادراكه بقيمتها وقربها لروحه. ولهذا لا يمكن التوصية بمكتبة ما، لان كل واحد عليه ان يتبع ضروراته وعشقه واقتناء مجموعة من الكتب ببطء مثلما يختار اصدقائه. اذن ان مجموعة صغيرة يمكن ان تعني عالماً بأكمله بالنسبة له. ان افضل القرّاء هم الذين يقتصرون باحتياجاتهم دائماً على قليل من الكتب. وهناك الكثير من القرويات اللواتي لا يعرفن سوى “الانجيل” مصدر الحكمة والسلام الداخلي والفرح، فيما يزهدن في انتزاع اي شيء ثمين من مكتبتهن العامرة.
 
للكتب تأثير غريب. جميع الآباء المثقفين حاولوا تجربة اعطاء طفلهم او ابنهم البالغ كتاباً ممتازاً مُنتقى في لحظة مناسبة، وأدركوا فيما بعد بانهم كانوا على خطأ. كل انسان، شاب او شيخ، لابد ان يجد طريقه الخاص نحو عالم الكتب، رغم ان نصيحة وتوصية الاصدقاء اللطيفة، قد تساعده كثيراً. البعض يشعر بالرغبة المُبكرة في الانجذاب نحو الكتّاب، فيما يحتاج البعض الآخر سنوات عديدة للتلذذ بحلاوة ومتعة القراءة. من الممكن البدء بـ “هوميروس” والانتهاء بـ “دستوفسكي” او بالعكس، ويمكن ايضاً سبر عالم الشعراء والمضي بعدها نحو الفلسفة او بالعكس، فهناك مائة طريقة. لكن هناك قانون واحد وسبيل واحد للإفلاح والتنمية الفكرية للكتب، هو احترام ما يُقرأ والصبر من اجل حب الإدراك، والخشوع للصبر والاستماع. الانسان الذي يقرأ من اجل التسلية، سيقرأ وينسى وسيكون بعدها اكثر فقراً. لكن الذي يقرأ الكتب التي تثريه، مثل اصغاءه الى الاصدقاء، ستكون ملكاً له. ان القارئ الحقيقي لن يزل ولن يضيع، بل سوف يبقى معه، ينتسب اليه ويتسلى به، مثلما يفعل الاصدقاء المخلصين.
 

تعليقاتكم