فدريكـو غارثيا لوركــا || قصيدتان

فدريكـو غارثيا لوركــا || قصيدتان
 
 
 
فدريكـو غارثيا لوركــا
 
Federico García Lorca
 
(1898-1936)
ترجمة : عبـد الهـادي سـعــدون
ينتمي إلى جيل الـ 27 الأدبي الشهير، بل لعله هو و ألبرتي من أشهر اثنين في قائمة طويلة تنتمي لهذه الحلقة الأدبية. ولد عام 1889 ومات برصاص ميليشيا الفالانخا التابعة لقوات فرانكو العسكرية في مكان مجهول من عام 1936. والأقوال عن سبب مقتله كثيرة لا تخرج أغلبها عن التكهنات و التوقعات الممكنة. لوركا لم ينتم طوال حياته لأي حزب سياسي، كما كان بعيداً عن كل هذه الأجواء المشحونة بالكره والدم إبان نزاع الأخوة في إسبانيا في الثلاثينيات من القرن العشرين، وإن كان صديقاً حميماً لأغلب الأصوات المعارضة للديكتاتورية الفرانكوية.. من المؤكد أن مقتل لوركا قد زادته شهرة على شهرته السابقة، وفتحت العيون على آدابه إلى درجة أن يصبح فيها رمزاً للمأساة الإسبانية في ظل الديكتاتورية العسكرية، بل لتتعدى ذلك بأن يصبح لوركا و مقتله رمزاً عالمياً بالدفاع عن الشعر والجمال إزاء الطغيان وبشاعة الحروب. لقد كتب في كل الأنواع الأدبية والفنية، لكن الأهم في مسيرته الأدبية ما كتبه في المسرح، في أعمال متميزة عديدة منها: عرس الدم 1933، يرما 1934، بيت برناردا آلبا 1936، وغيرها. وكذلك في إصداراته الشعرية العديدة كما عليه في: كتاب القصائد 1921، قصيدة الغناء العميق 1921، نشيد إلى سلفادور دالي 1926، الأغاني الغجرية 1928، شاعر في نيويورك 1930، بكائية من أجل إغناثيو سانشيث مخيّاس 1935، ديوان التماريت 1936، وأخرى غيرها
 
أغنية مُسرَّنمة
 
،خضراء أحبك خضراء
 
.ريح خضراء، أغصان خضر
 
،المركب في البحر
 
.والجواد في الجبل
 
،الظلال في خصرها
 
وهي تحلم في شرفتها
 
،لحم أخضر، شعر أخضر
 
.وعينان من فضة باردة
 
 
 
خضراء أحبك خضراء
 
تحت القمر الغجري
 
كل الأشياء تنظر إليها
 
وهي التي لا تقدر أن تنظر إليها
 
،خضراء أحبك خضراء
 
نجوم صقيعية عملاقة
 
تمضي مع سمك العتمة
 
.شاقة طريق الفجر
 
التينة تدعك الريح
 
،بسنباذ أغصانها
 
والجبلُ قط بري
 
.ينفش أليافه الحامضة
 
…لكن من سيأتي؟ ومن أين؟
 
،تبقى في شرفتها
 
لحم أخضر، شعر أخضر
 
.و تحلم بالبحر المرُ
 
ـ يا صاحبي أريد أن أستبدل
 
حصاني ببيتك،
 
سرجي بمرآتك
 
و سكيني بمعطفك
 
 
يا صاحبي أجيء مضرجاً بدمي
 
.من موانئ كابرا
 
لو كنت أستطيع
 
لعقدت الصفقة
 
ولكنني أنا لست أنا
 
…ولا البيت الآن بيتي
 
يا صاحبي أرغب في الموت
 
.كما هو لائق، في سريري
 
سرير من حديد لو أمكن
 
.مغطى بشراشف هولندية
 
ألا ترى جرحي الممتد
 
.من صدري حتى حنجرتي
 
ثلاثمائة وردة سمراء
 
.تتوزع على صدريتك البيضاء
 
دمك ينز ويتضوع
 
.حول زنارك
 
لكنني لم أعد نفسي
 
ولا البيت الآن بيتي
 
دعني على الأقل أتسلق
 
حتى الشرفات العالية
 
دعني أصعد، دعني
 
.حتى الشرفات الخضراء
 
حتى أسوار القمر
 
.حيث يصدح خرير المياه
 
 
 
الآن يتسلق الصاحبان
 
حتى الشرفات العارية
 
.مخلِّفين آثار دم
 
.مخلِّفين آثار دمع
 
بينما ترتجف على السقف
 
.فوانيس الصفيح
 
ألف طبل زجاجي
 
تجرح الفجر
 
خضراء أحبك خضراء
 
ريح خضراء، أغصان خضر.
 
الصاحبان صعدا
 
و الريح الهائجة تترك في الفم
 
طعماً غريباً
 
من المرارة والنعناع و الحبق.
 
يا صاحبي، أين هي
 
أخبرني أين هي طفلتك المُرة؟
 
كم من مرة انتظرتك
 
وكم من مرة ستنتظرك
 
بوجهها النضر، وشعرها الأسود
 
في هذه الشرفة الخضراء
 
فوق وجه الجب
 
تترنح الغجرية
 
لحم أخضر، شعر أخضر
 
.و عينان من فضة باردة
 
كتلة جليد قمري
 
.تسندها فوق المياه
 
الليل أليف
 
.مثل ساحة صغيرة
 
الحرس المدني السكارى
 
.أخذوا يطرقون الباب
 
خضراء أحبك خضراء
 
ريح خضراء، أغصان خضر
 
المركب في البحر
 
و الجواد في الجبل
 
 
أغنية الحرس المدني الإسباني
 
الجيادُ سود
 
سود حدواتها.
 
على الجلود تلمع
 
لطخات من حبر و شمع.
 
لهم جماجم من رصاص
 
لهذا لا يبكون.
 
ويجيئون عبر الطريق
 
بأرواح من طلاء لامع.
 
حُدبٌ و ليليون
 
أينما ينشطون، ينذرون
 
بصمت من مطاط داكن
 
وخوف من رمال ناعمة.
 
يمضون، فيما لو شاءوا
 
و يخفون في الرأس
 
علم أفلاك غامض
 
من مسدسات غير محددة
 
 
إيه مدينة الغجر!
 
الرايات في الزوايا.
 
القمر و اليقطين
 
ومعلَّبات الكرز.
 
إيه مدينة الغجر!
 
منْ رآك ولا يتذكرك؟
 
مدينة من ألم و مسك
 
بأبراج من القرفة
 
عندما حل الليل،
 
ليل ليلةٍ ليلاء
 
يصوغُ الغجرُ في مصهرهم
 
شموساً و سهام
 
فرسٌ جريح
 
ظل ينادي على كل الأبواب.
 
ديكة من زجاج تصيح
 
في خيريث دي لا فرونتيرا.
 
الريح تعود عارية
 
عند زاوية المفاجأة،
 
وفي ليلة مقمرة
 
ليل ليلة ليلاء
 
 
العذراء و القديس يوسف
 
أضاعا صنَّاجتاهما
 
و يبحثان عن الغجر
 
لعلهم يعثرون عليها.
 
تجيء العذراء مرتدية
 
لباس زوجة حاكم البلدة
 
المصنوع من ورق الشكولاتة
 
و تتزين بقلائد من اللوز.
 
والقديس خوسي يحرك ذراعيه
 
تحت عباءته الحرير.
 
في الخلف يجيء بيدرو دومنيك
 
رفقة ثلاثة سلاطين من فارس.
 
الهلال، كان يحلم
 
بنشوة اللقالق.
 
بيارق و مصابيح
 
تغزو السطوح.
 
في المرايا تصرخُ
 
راقصات بلا أرداف.
 
مياه و ظل، ظل و مياه
 
من أجل خيريث دي لا فرونتيرا
 
 
 !إيه مدينة الغجر 
 
.الرايات في الزوايا
 
إطفئي أنوارك الخضراء
 
فرقة الحرس الوطني قادمة.
 
 !إيه مدينة الغجر
 
منْ رآك ولا يتذكرك؟
 
إتركوها بعيداً عن البحر
 
.بلا أمشاط تسرِّح جدائلها
 
 
 
يتقدمون اثنتين اثنين في العمق
 
نحو مدينة الاحتفال.
 
صخب الزهر الخالد
 
.يغزو جعبة الطلقات
 
يتقدمون اثنتين اثنين في العمق
 
.قماشٌ ليلي مزدوج
 
والسماء تبدو لهم
 
كواجهة مهاميز زجاجية
 
،المدينة المتحررة من الخوف
 
كانت تضاعف بواباتها
 
التي يقتحمها عنوة
 
.أربعون من أفراد الحرس المدني
 
تعطلت الساعات
 
و كونياك الزجاجات
 
تنكر بهيئة شهر نوفمبر
 
.كي لا يثير الشبهات
 
سرب صرخات متطاولة
 
.عَلتْ في دوامات الريح
 
السيوف تقطع النسيم
 
.وتدعسه الخوذات
 
في الشوارع الظليلة
 
تهرب عجائز الغجر
 
مع خيولهن الغافية
 
وجرارهن المليئة بالنقود.
 
عبر الشوارع العالية
 
تصعد العباءات المشؤومة
تاركة خلفها
دوامات من مقصات
في بوابة بيت لحم
 
.يتجمع الغجر
 
القديس خوسي، المثخن بالجراح
 
.يكفِّن إحدى الصبايا
 
البنادق الحادة العنيدة
 
.تدوي طوال الليل
 
العذراء تداوي الأطفال
 
.بلعاب النجوم
 
لكن الحرس المدني يتقدم
 
وهم يؤججون النيران
 
حيث يضطرم الخيال
 
.الغض العاري
 
روسا من آل كامبوريو
 
.تتنهد جالسة عند البوابة
 
نهداها مقطوعتان
 
.و معروضتان في طبق
 
فتيات أخريات يركضن
 
،مطاردات بجدائلهن
 
في هواء تتفجر فيه
 
.أزهار بارود أسود
 
عندما أصبحت كل السقوف
 
،شقوقاً في الأرض
 
هز الفجر كتفيه
 
.بصورة حجر جانبية
 
 
 
!إيه مدينة الغجر
 
الحرس المدني يبتعد
 
عبر نفق الصمت
 
.بينما يحاصرك اللهب
 
 
 
!إيه مدينة الغجر
 
منْ يراك ولا يتذكرك؟
 
ليبحثوا عنك في جبهتي
 
.لعبة قمرٍ و رمال
 
 
 
 
 

تعليقاتكم