عن لوحة أحمد السوداني

عن لوحة أحمد السوداني

*صفاء الصالح

اليوم وأنا اقلب صحيفة الفايننشال تايمز وقع نظري على إعلان على مساحة ربع الصفحة عن معرض للفنان أحمد السوداني. لا أخفيكم، شعرت بالفرح أن ارى اسم أحمد في مثل هذه الصحيفة النخبوية الراقية التي احترمها. نشرت الإعلان غاليريهات مارلبورو في سياق حملتها الدعائية لمعرض السوداني الذي افتتح في فرعها في نيويورك مطلع هذا الشهر، وكان فرعها في لندن قدم معرضا له العام الماضي.
أحمد فنان جاد ودؤوب وإنسان حي وحميم، وبات يحقق نجاحات كبيرة، اذ بيع بعض لوحاته بأسعار قياسية لم يحققها اي فنان عربي او من الشرق الأوسط، كما هي الحال مع لوحته التي بيعت بأكثر من مليون دولار في مزادات كريستيز.
قد يقول البعض ان جزءا او كثيرا من ذلك يرجع إلى لعبة سوق الفن وليس إلى قيمة العمل الفنية نفسها. أقول بالتأكيد أن ثمة جانبا يعود كواليس السوق الفني وقوانينها المتحكمة، وثمة كثير من الدجل في هذه السوق لست في معرض مناقشته هنا، ربما أتوقف عنده لاحقا. لكن ذلك لا يمنع احتفاءنا بفنان يرسخ أقدامه بقوة في مشهدنا الفني المعاصر.
الذي اتمناه أن يتخلص السوداني الفنان من السردية التي تحاول السوق الفنية أن تحيط بها أعماله وتصنفها ضمنها، وهي “المظلومية” العراقية التي قد تتجسد في حياته كمهاجر عراقي او طفل نشأ في مناخ حروب العراق المدمرة كما يراه الغرب.
فلم اجد اكثر من كاريكاتيرية من تعليق روبرت غوف في موقع غاليري ساتشي (وهو بالمناسبة محرر مشارك لكتاب عنه) على لوحة بغداد ١ التي بيعت بسعر قياسي، إذ تصبح الأشلاء في مركز اللوحة استعارة عن إسقاط تمثال صدام، وشكل الديك ممثلا لأمريكا وسلة البيض إلى الجانب الأيسر من رقبته تمثل الأفكار التي لم تَر النور (لم تفقس بعد)!! اما السيل المتدفق في أسفل مركز اللوحة فيحمل تداعيات (إحالات) ومرجعيات من الكتاب المقدس عن الطبيعة المتشظية (المتكسرة) للحياة اليومية في بغداد!!! الخ ….
لا ارى أن اعمال السوداني تنتمي إلى سياق الفن العراقي ولا حتى تقترب من التعبير عن المأساة العراقية او تاريخ الحروب المأساوي هناك، بل تنهل بشكل مباشر من تاريخ الفن نفسه. اما العلاقة بموضوعة الحرب فتنهل من تقديمها عير الفن العالمي وليس في سياق الفن العراقي او وقائع الحروب العراقية التي لم يعشها احمد بشكل مباشر مشاركا فيها، بل كطفل أو صبي وقعت عليه بعض آثارها. وأرى أن أعماله تنهل من وتحاور فناني جمهورية فايمار ورموز الموضوعية الجديدة او من يطلق عليهم الفنان والناقد الالماني فرانز رو مصطلح “الواقعية السحرية”، من أمثال جورج كروز أو أوتو ديكس في استلهامها وتناولها للحرب العالمية الأولى وماكس بيكمان، أو لاحقا غيورغ بازليتس (من الجيل الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية) وبعض هؤلاء انتهى به المطاف في الولايات المتحدة (كروز وبيكمان) وأثر في كثير من الفنانين الأمريكيين من أمثال ناثان أوليفير او فيليب غاستون، وهذا المآل الأخير هو مدخل السوداني في العودة إليهم والنهل منهم والحوار مع اشكالهم وتقنياتهم بل وتحديها ومحاولة تجاوزها. فالسوداني ابن هذه التجربة الفنية الناجمة عن تشكل وعيه الفني والمعرفي سياق دراسته في الولايات المتحدة، وهذا السياق الذي دفعه لاحقا إلى الذهاب إلى برلين والنهل والحوار بشكل مباشر مع مصادر هذه التجربة التي قدمت إليه بشكل مدرسي أوليا.
إن أحمد السوداني نتاج هذه التجربة التعليمية أكثر منه نتاج مباشر للحرب في العراق أو انعكاسها في الفن العراقي، الذي لا ارى أنه ينتمي إليه أو يمتلك أي صلة بمسار تطوره، ولم تسمح له سنوات عمره عند خروجه من العراق أن يكون دارسا متبحرا فيه أو متأثرا باتجاهاته، بل بالعكس أرى في تحرره هذا من اتجاهات الفن العراقي عنصر قوة له. لكنني في الوقت نفسه أتحفظ على محاولة استثمار المأساة العراقية لتسويق فنه باستثمار الراهن الماساوي في الشرق الأوسط عموما لإيجاد مناخ تفسيري له هو ابعد ما يكون عنه، وهي محاولة ساذجة تبتسر فنه وتضعه خارج سياقه أشرنا إليه.
نعم عاش السوداني طفولته وصباه في العراق وحمل معه ندبا في روحه من حروبه ومأساته، لكن سنوات تشكله الفني والمعرفي كانت في سياق آخر هو ما حاول السوداني أن ينتمي إليه بكل حواسه وعقله وأن يبدع ويبز الآخرين في سياقه، وهذه هي هويته الجديدة التي سَخّر كل شيء لديه لتحقيقها؛ عقلا وحواسا بل وتاريخيا ليصل إلى صورته الجديدة.
فالحرب في لوحاته (إن وجدت!) لا علاقة لها بمرجع واقعي مثل الحرب في العراق، بل بمرجع فني هي الحرب في سياق الفن نفسه، وهي أقرب إلى انعكاسها وتمثلانها في الفن الغربي منها إلى تجارب الفن العراقي في هذا الصدد، ومن هنا قبول الغربيين لفنه والفتهم معه.
لذا أرى أننا نظلم فن أحمد السوداني عندما نقرأه قراءة خارجية منطلقة من مرجع واقعي هو أصوله العراقية وواقع المنطقة التي جاء منها (كمايحاول بعض مسوّقي فنه) وليس من سياق المرجعية الفنية التي نشأ في كنفها وسعى إلى التعبير بأدواتها وأساليبها وتقنياتها والتميز فيها.

  • كاتب عراقي مقيم في لندن 
 

تعليقاتكم