جورج شحادة || السابح بحبّ وحيد

جورج شحادة || السابح بحبّ وحيد

 

ترجمة : خالد النجار

ولد جورج شحادة الشاعر اللبناني الكبير في الاسكندريّة سنة 1910، وفي رواية 1907، و في أخرى 1905. قضى يفاعته هناك في تلك المدينة التي تحوّلت إلى أسطورة. إسكندريّة العشرينات كما وصفها فورستر في الطريق إلى الهند ومن بعده لورانس داريل في الرّباعيّة. مدينة كوسموبوليتيّة تعجّ بدزينة من الأجناس من سوريّين، ومغاربة وأرمن، ويهود، ويونانيّين، وإيطاليّين، ومالطيّين، وأنكليز، وفرنسيّينكان ما يزال الرّجل الأبيض هناك يستعيدها في نصوصه جغرافية تخييلية وجزءا من التاريخ الغربي فهي  خدينة بيزنطة وأثينة و رومة ; وقرطاج، إنّها اسكندرية المتحف و أفلوطين و فيلون الفيلسوف اليهودي الاغريقي النزعة و المشارب.

قضى جورج شحادة يفاعته في المدارس الفرنسية، في تلك اسكندرية أوائل القرن العشرين في مناخات كفافيس، وأنغرتّي، ونيكوس نيكولاييدس، ومن بعدهم جورج سيفيريس. في ثراء الاسكندريّة الثقافي تفتّح وعيه، في شرق له ميسم الغرب في العمارة، والثقافة، وأساليب الحياة...

أمّا بداياته الشّعريّة فهي أيضا مثل شعره، استثناء. لقد وجد جورج شحادة  نفسه فجأة، ومن الأوّل، في رفقة شعراء عصره الكبار : سان جون بيرس، جول سوبيرفييل، أندري جيد… عن تلك البدايات قال لي يوم زرته ذات شتاء من سنة 1983 في شقَته الباريسيَة بشارع الآباء القدّيسين، وقد حملت معي مخطوطة ترجمة أشعار، كنت أيّامها أريد أن أرى الشّاعر الأسطورة، وأن أستوضحه بعض ما أشكل عليّ من نصوصه. قال، وبشئ من الحماس الذي يسم كلامه، كان وكأنّه يواصل حوارا مع ذاته، أو قل هو مونولوغ داخلي بصوت مرتفع. قال عن هذه البداية : ” كنت في العشرينات من عمري، أعمل بإدارة البوليس في بيروت عندما أرسلت أشعاري الأولى إلى المجلَة الفرنسيّة الجديدة، ولم أكن أدري يومها وأنا أضع قصائدي في مغلّف وأودعها صندوق البريد أنّ قصائدي ستحوز كلّ ذاك الإعجاب والحماس الذين استقبلت بهما. فقد كتب لي أندري جيد رسالة جوابيّة محتفيا بي، وفتح لي صفحات المجلة الفرنسيّة الجديدة التي كان قد بعثها”

أجل، لم ينل أيّ شاعر عربي من الحظوة في الغرب مثل ما ما ناله شحادة في ثلاثينات القرن العشرين؛ وحتّى شهرة جبران نفسه فقد نالها في الغرب كناثر عن كتابه النبيّ؛ وليس كشاعر. كتب عن شحادة شعراء كبار مثل سان جون بيرس، وغايتان بيكون، وأندريه بروتون، وجول سوبيرفييل، وماكس بول فوشيه، وغيرهم أجمل الصّحائف.

…فقد بدا صوت شحادة متميّزا وسط ذاك الجيل من شعراء فرنسا الثلاثينات والأربعينات؛ صوت حداثيّ، غرائبيّ؛ فيه براءة الشرق وغموضه. ذاك الشرق الذي كان أيّامها نبع أحلام يقظة وغموض رومانسي

وصوت جورج شحادة أيضا مثلّث العجائب : أوّلا عجائب الطّفولة، ونبرة البراءة التي لم ين يعبّر عنهما في كلّ ما كتبه من أشعار. طُفولته التي لم يغادرها أبدا كما يقول غايتون بيكون؛ وقد تحوّلت هذه البراءة لديه إلى رؤية ميتافيزيقيّة للوجود : 

…كان زمن الملائكة آه أتذكّر… كانت أمّي توقد المصابيح لتبعد عنّا الأشباح، وتعدّ أعمارنا على أصابعها عندما كانت تدقّ ساعة الجدار دقّاتها

.وثانيا عجائب سحر الشرق الغامض : حيث الأرض سعيدة بطفليها اللّيل والنّهار

وثالثة العجائب جاءته من التّقنية السّرياليّة التيتفتح البوّابة على ليل اللاّوعي وهو الشيء الذي عمّق سحريّة ذاك النصّ الشّعري الشّبيه في رأيي بأعمال الرّسّام الرّوسي شاغال. شعر يحتشد بأشياء العالم اليوميّة، يحتشد بالكنائس، والنّجوم، والقناديل، والعجائز، والملائكة، والأشباح، والأقمار، والظّلمات، والغدران، والصيّادين، والرّيح، والأعشاش، والمرآة، والخيول، والخريف، وأوروبّا التي هي وردة، وشبابيك بلاد مابين النّهرين، والظلّ، والحلم، والأمزون؛ تلك الجغرافيات الخياليّة. كلّها حاضرة في شعره، وسابحة في لهيب الشّموع العسليّة؛ ومرئيّة من خلال مشاهد حلميّة لطفل : كلّ شيء يضئ في عينيه من لا شيء. أليست هذه لوحة لشاغال

…حيث يطير الماعز فوق أبراج الكنائس خلف هلال برتقالي… والرجل الذي يطير وسط السحب فوق الأسطح

وجورج شحادة من الشّعراء المقلّين، مثل بودلير و رامبو و مالارمي، نشر كرّاسته الشعريّة الأولى بعنوان أشعار1 سنة 1938، أعقبها بـ رودوغون سين، ثمّ أشعار 2  في 1949 وقد جمعها كلّها سنة 1952 في كتاب عنوانه أيضا أشعار. وبعد حوالي ثلاثين سنة اشتغل فيها بالكتابة المسرحيّة نشر كتابه الشعريّ السّابح بحبّ وحيد وهو الثاني والأخير. بقيت كلمة أخيرة وهي أنّ شحادة غطّى بقامته كشاعر ذكر شقيقة له شاعرة كانت تكتب هي أيضا باللغة الفرنسيّة في تلك السّنوات البعيدة من القرن العشرين؛ شاعرة مضت في الصّمت، شاعرةلم يعد يذكرها اليوم أحد.

 
:ملاحظة
 
يحتوي ديوان السّابح بحب وحيد الذي أصدره جورج شحادة سنة 1985وهو في الخامسة و السبعين من عمره على قسمين
 
1 . أشعار V
 
2 .
الأشعار V
 
I.
كانت قامات الفتيات الصّغيرات تطفو في الرّيح
 
العصفور ذو العين اللؤلئية لم يكن يترك أثرا
 
كان زمن الملائكة آه أتذكّر
 
الأرض السّعيدة بطفليها اللّيل والنّهار
 
والغياب كان يحتفظ بالابتسامة والكلمة
 
كلّ شئ كان يضئ من لا شئ : العشبة والمصباح
 
باستثناء فرس جامح على قائمتيه كان يقوم بالحراسة
 
وكان يصيح باتجاهي :
 
المرّة الواحدة لا تعتاد إلاّ في الموت
 
آه أتذكّر
 
II.
أحيانا يزورني القدّيسون في اللّيل
 
يعبرون زجاج النّوافذ كما نلمح النّباتات في
 
الخارج
 
وأتعرّف عليهم من خلال رؤوسهم الشّبيهة برؤوس الدّمى
 
فهم يحبّون التّلاعب بقلبي
 
يتقدّمون خطوة في البيت
 
وأخرى نحو مسرح المرجان
 
ثمّ يعودون كما كانوا
 
أي جمالا لامرئيّا
 
والشّاهد الوحيد على هذه المعجزة
 
هو دمية منسيّة سهوا
 
مغمضة العينين مثل إنسان أمام الأحلام
 
III.
في المجال الخاوي والممتلئ مثل خاتم
 
شبابيك اللّيل تفضي إلى الموت أو إلى الأحلام
 
هذه اللّيلة ثمّة في السّهل بلاد ما بين النّهرين
 
بنوافذها
 
والوردة تتدفّأ بالمصباح مثل أخت
 
آه تطلّع
 
إلى القارب الشراعيّ برأس أسد يلقي المرساة
 
ودائما ثمّة على الشّاطئ
 
تجعّدات البحر البيضاء الكبيرة
 
IIII.
هؤلاء الذين يسهرون حتّى ساعة متأخّرة من اللّيل
 
في الغفران العميق للظّلمات
 
بعيدا عن المصابيح الحارقة العيون
 
في الهواء العاري
 
إنّهم رحاّلة المستقبل
 
والنجوم تعرف ذلك جيّدا، تلك التي تتوقّف في نوافذهم
 
تاركة سلالم لامعة
 
في الفجر، عندما يحدث الصيّادون ثقوبا
 
في صمت الأرياف
 
V.
كانت أمّي توقد المصابيح لتبعد عنّا
 
الأشباح
 
وتعدّ أعمارنا على أصابعها عندما تدقّ ساعة الجدار
 
دقّاتها
 
أمّي تتحدّث عن الوقت الذي يمرّ مبتسمة
 
والرّجال الذين يقتفونها كانوا ملائكتها
 
والآن وقد مات القمر أين أنت أيّتها التأمّلات
 
الرّائعة
 
يا حبّا بأسنان كالحلوى
 
وياطفولة تنتحب فوق خديّ
 
 
VI.
كانت تستيقظ في اللّيل لتتأمّل المسيح
 
وتتلمّس برنز جرحه لتبرأ
 
وكان جسدها يرتعش كما الياسمين
 
 
أحبّ في الظّلمة عمق ظلّك
 
وأنت تنتحبين برفق حتّى أنّنا نموت لو نلمسك
 
ولا أحد يمتلك عذارى شفتيك
 
سوى صورتك
 
VII.
وأنت تقرأ كتابا أثقل من يديك
 
في تلك الحديقة النّائحة حيث تنشطر يمامة
 
الظلّ يطير معها
VIII.
نعم ولا :
 
قضيبان
 
واحد يطوي
 
والآخر يكسر
 
_ أيّهما ؟
 
هكذا نطق الحكيم
 
واحد من اثنين
 
_ أيّهما ؟
IX.
لو تعد مرّة إلى الأرض التي ولدت فيها
 
بخطو بطئ كحصان يزيده اللّيل عناء
 
آه امض إلى تلك الحديقة
 
لتعثر ثانية على الوردة المجهولة
 
والأقحوان الشّبيه بلبدة الأسد
 
_ عناكب كبيرة تطير مع فراشات
 
كما في حمّى الطّفولة
 
ابتسم أو أبك ولكن لا تخش شيئا
 
إنّه الظلّ يهتزّ قبل أن يصير ليلا مضيئا
 
X.
في الخريف الأحمر والأصفر كغربال بين
 
الأشجار
 
ودخان النّسيم
 
غراب بعكّازين يتنبّأ بالمآسي
 
 
وأنا أتأمّل الفتاة التي تعبر الغابة
 
شبيهة بخرافة
 
وأصيح : آه أيّتها المحبّة امنحيها طول العمر
 
 
بيد أنّ الصّدى الذي يأتي من الأقاصي ويترجّع
 
مضيعا الكلمات يردّد :
 
ياحبّا يا حبّا بلا حياة
مثل لعب الورق
XI.
الحزن الكبير لحصان يسرح في الغيوم
 
وأنت في تلك الغرفة
 
تحلم وبلا كلمات
 
في الطفولة الأكثر نعومة، برحلة
 
فوق مملكة الجدران
XII.
في منام طفلة صغيرة
 
ثمّة أناقة وسرّ إبرة
 
وقد خرج من كمان
 
صيّاد شابّ يرقبها
 
_ آه غطوا جيّدا هذه الطّفلة التي تنام
 
لأنّها في الخارج
 
في شوارب اللّيل
XIII.
عندما يمتزج حزن البحر وسعادته
 
كلّ على حدة فوق الشّاطئ لدى غروب النّهار
 
تقول : لوتفاجؤني الكآبة
 
فسوف أستلقي فوق الرّمل القزم
 
لأتعرّى وأموت
 
وأنا أُفكّر أنّ الموت
 
هو بدءا العيون المغمضة
 
وليلة بيضاء وسط الزّهور
 
والصّلاة
 
 
وبعد ذلك أربع شموع بلهب من ذهب
XIIII.
في قفص عصفور ثمّة حديقة من حزن
 
وكلّ كآبة منزل
 
 
الأجنحة هي أوراق خضراء
 
في النهارالزّهيد والمتكسّر
 
كالفتات
 
 
أتذكّر نفسي تلميذا بلا حول
 
وأنا في النّافذة
 
XV.
عندما يسقط قليل من نور القمر
 
في سريرك
 
إلتحق فوق خارطة
 
بالأبعاد الشّاسعة كما تلحق فتاة
 
 
في أراضي أمازونيا
 
وفوق ورقة نضرة
 
كتب ما يلي :
 
أوروبّا وردة
 
 
في المدن الحجريّة
 
حيث تتعذّب الأجساد وتغنّي
 
لا شئ أكثر عفّة
 
من الجغرافيا
 
XVI.
أنتم يا من تمضون إلى بلاد قصيّة
 
ليقدّمكم أساقفة الرّؤيا في أرديتهم المذهّبة
 
إلى النّور
 
وليقولو أنّكم قطرة الماء
 
التي ترتعش في أناملهم بكلّ ثراها
 
عنبر وذرة قلاداتهم.
 
وليسمّونكم تابوت كمان أو غزالة
 
خفّاش بائس يعرج في الهواء وهو يطير
 
ليقيكم أشواك البرد
 
والمسافة وجروحها
 
وليكن الماء لكم عذبا حتّى فوق البحر
 
XVII.
لا الأمل ولا الثّراء
 
ولكنّها الزّهرة الصغيرة الجافّة في كتاب
 
التي لم يبق منها سوى رماد الحبّ
 
 
كيف نموت
 
مادمنا قادرين على الحلم
 
XVIII.
الأيقونة ذات العينن السوداوين المسبلتين كحبتي كستناء
 
من شدّة الرّغبة التي في صورتها هي طفل ذهبيّ
 
أميرة أو أيّلة
 
في الشفافيّة البخاريّة وفي السّماء
 
– وأنا أحيطها بذراعيّ
 
المنهكين مرارة و حماية
 
قلت لها : آه يا سيّدة السّماء
 
أنت يا من تهبين الخبز والتّأمّل
 
لمن تنظرين طويلا
 
لماذا بلا دموع آه لماذا تنتحبين
 
في هذه الغرفة ذات الجدران القديمة
 
حيث السّنونوّة والنّافذة غائبتان
 
XIX.
ضجيج المحارة ليس هو ضجيج البحر
 
ولاهو سفر الرّيح
 
بل هو نشيد النّوم وقبره
 
 
وكما أنّ الأشواك هي نحيب الوردة في الصّباح
 
واللّيلك هو تذكار الملوك
 
آه كم كآبة تلفّ الأشياء
 
XX.
هناك بعيدا
 
في آسيا الطّويلة بأناقة
 
السّابح بحبّ وحيد
 
السّابح بحبّ وحيد
 
I.
كانت تتمشّى في مرج
 
وكانت مقاطع كلمات ناعمة تسقط من الأشجار
 
ولم يعد للهواء لون
 
 
إنّه ميلاد المساء
 
البرودة الأولى للأعشاش
 
وكانت الفتاة تحلم قليلا
 
وهي تتطلّع من حولها
 
 
والآن ها اللّيل يتكرّر إلى ما لا نهاية
 
والأشجار تختبئ في أوراقها
 
والصّمت يأتي من بعيد
 
II.
تحيّة إلى فرا أنجيليكو.
 
 
كانت أمّي تنادي الملائكة بأسمائها
 
جبرائيل ذو الأصابع الرّقيقة
 
وأجنحة الأصداف
 
ومريم، مريم وحيدة في المنزل
 
عيناها مسبلتان فوق وجهها
 
كلّ هذا في غرفة لا يوجد فيها شئ
 
ربّما ثمّة فقط
 
ماء وخبز للشّكران
 
III.
 
إلى جون كلود موران.
 
 
تحت الشّمس البنفسجيّة للزّمن الماضي
 
في سفر الأوراق الميّتة
 
يروى أنّ هناك حديقة بلا أزهار
 
لا أحد يزورها
 
لا الأصداء ولا الأرواح
 
سوى بعض الصّيّادين المرهقين باعمارهم
 
كانوا يعبرون من هناك
 
IIII.
مثل طفل الماضي الذي تضيع صرخته
 
في بستان من التّفّاحات البيضاء
 
عندما يغطّي القمر كلّ شئ بحبّه
 
أرى في مرآة خاوية
 
ذكرياتي مع عصيّ بيضاء
 
ولا أدري من منّا
 
أجدر بالرّثاء
 
من فرط قسوة السّنين
 
 
أيّها القمر الخفيف يا مرآة الغياب
V.
نبع ينتحب كان يحكي
 
 
عندما تغادر بلد المصابيح
 
ذات ليل مثل طفل البرد
 
ربّما ملاك
 
يحمل إليك الحبر
 
لأن تكتب ما ترى :
 
الماء النّمير الذي يصير ظلاّ
 
والشّجرة التي تضيع دربها
 
 
VI.
كان لجسدها نعومة الماء في راحة اليدين
 
عقد أزرق يسم ضعفها
 
لأجلها تكتب الوردة قصيدتها
 
والصّباح له كلّ النّظرات
 
أيتها الجبال النّائية أين هم أناس الزّمن الماضي
 
المطر الذي ينادي
 
_ هذه المرأة ليست حلما
 
لا بدّ أنّها ميّتة الآن
 
والصّورة ترافق الرّيح لأجلها
 
VII.
في كنيسة القرية عند اقتراب اللّيل
 
تخرج الصّلوات من مخابئها
 
ملاك طفل ينتقل من حائطه
 
 
والبخور يعير غطاءه الذي من ظلّ
 
إلى مجوس نائمين
 
الزّنابق تبدو داكنة عند أقدامهم
 
 
وفي البعيد في سماء من شموع
 
تسافر الأيقونات
 
VIII.
قبل النّوم
 
كانت أخوات أمّي
 
يتكلّمن بأصوات منخفضة إلى حدّ
 
يصير فيه كل شئ ظلاّ
 
الوجوه والأصوات
 
وساعة الجدار في صندوقها
 
التي لم يعد لها رنين
 
كان يكفي إشعال عود ثقاب
 
حتّى نلمح
 
خالاتي جاثيات على ركبهنّ
 
في قطرة من ذهب
 
IX.
كان لكلّ نافذة سماء مرج
 
في ذاك المنزل المنسيّ
 
كانت هناك أيضا الطّيور التي تأتي بالأخبار
 
وفي الأحلام كان ثمّة طفل يروي قصّة حياته
 
أيّها الحبّ
 
أين هي ليالي الشّتاء
 
والمصباح النّاعم في ردائه البلّوريّ
 
وساعة الجدار التي تدقّ وتنادي
 
طفلا ناعسا فحسب
X.
 
النّساء القدّيسات.
 
عند أسفل الصّليب
 
حين يضئ الظلّ نجوم السّماء
 
أيّتها النّساء الملائكيّات والسّوداوات
 
أثقبن القلب بإصبعكنّ
 
XI.
ليست كلمات نافلة كلمات هذا القصيد
 
ليست نشيدا لأيّ كان هذه الكآبة
 
ها هو الخريف ونجومه الباردة
 
لقد بقي ما يكفي من الرّيح للهرب
 
عصفور إفريقيا يسأل عن السّاعة
 
بيد أنّ البحر بعيد مثل سفر
 
والبلدان تضيع في البلدان
 
_ أصخ السّمع عبر الأيك
 
إلى الضّجيج الذّهبيّ لشجرة تموت
 
 
XII.
فوق هذا الشّاطئ المهمل
 
كانت لا تجئ إلاّ لتمضي
 
مثل أمواج البحر
 
واليوم فإنّ الزّمن الذي يعبر يضيف إلى جمالها
 
الظلّ والذّكرى
 
_ ما الذي كانت تهمسه
 
عندما تخلط الكلمات بيديها
 
 
كم كُنت مسكينَا
 
هكذا كنت أمضي في تأمّلاتي
 
لملاقاة غياب
 
بينما في الأفق أشجار ضخمة رفعها الضّباب
 
كانت تكلّم الفصول بصوت خفيض
 
 
XIII.
 
مسلّة إلى نادية ت…
 
لقد غادرت يد أصدقائها
 
لتلحق بحديقة زرقاء مغلقة
 
حيث يطير العصفور بعشّه
 
 
عينان سوداوان وشعر أسود
 
والآن كلّ جمالات الظلّ
 
فوق كتفيها
 
XIIII.
في ذهب الشّموع
 
في أرديتك المصبوغة بالأحمر
 
أجدك مرّة أخرى ليلا داخل كنيسة
 
أيّتها الأيقونة ذات الصّبر الكثير النّعومة
 
وإنّه لمدهش أن أكون شديد القرب منك وألاّ أرى
 
في عيونك المستكينة كاللّيل والأكثر حلكة
 
هذا القصيد الذي لم يكتب بعد
XV.
لدى طلوع النّهار
 
كانت الحمامات تحرّك خطوها
 
في الباحة
 
 
وكانت الأمطار تسّاقط
 
باذرة حبوبها المائيّة
 
فوق البلاطات
 
XVI.
كانت أكثر قدما من الزّمن
 
ذات يدين شديدتي الشفافيّة
 
وفي العينين حزن الرّبيع
 
 
مدّدوها تحت الرّمل
 
وكان ثمّة ريح خفيفة في الشّجر
 
ولا شئ آخر
 
 
بقيت ذكرى صوتها
 
مذ صارت في تلك البلاد القصيّة
 
حيث تتشابه كلّ النّساء
 
 
XVII.
وهاهو الخريف مرّة أخرى
 
والحديقة تعدو وراء أوراقها
 
 
لم يعد هنا أحد :
 
لا النّوافذ ولا البشر
 
بل الرّيح
 
 
ثمّة قمر منسيّ
 
في السّماء يشبه وجها بشريا
 
 
في ذكرى الصّيف الجميل
 
لنشرب كان يقول النّبع
 
XVIII.
عندما تضيع العيون في المنام
 
كما تضيع الوجوه في قاع بئر
 
ينبسط حلم بمشاهده
 
فوق نائم اللّيل
 
وإنّه لفي سماء حالكة ذات نجوم غائرة
 
ثمّة نافذة في الفجر
 
بها رأس امرأة منحن
 
يظلّ لغزا في الحلم
 
 
 
القطّ
 
إلى الصّغيرة ميريل.
 
في مملكة الصّور
 
كان هناك قطّ خبيث
 
غريب الأطوار مختلف
 
الوبر من أسود وأبيض
 
 
بين الفئران وبنات البحر
 
كان متمدّدا
 
بفتور ندفة صوف
 
في كتاب صور حيوانات
 
 
وعلى غير العادة
 
ولدى اكتمال القمر
 
يغادر أحيانا الورقة بهبّة واحدة
 
ويمضي يهيم فوق السّطوح
 
 
فوق السّطوح والعلّيّات
 
ثم وهو يزور المساكن
 
يطفئ ذهب الشّموع
 
ويشرب حليب الأطفال
 
 
مع ظلّه
 
هاهو يصير مثل النّمر الفارسي
 
مطارد من شرطيّ
 
شرطيّ له شارة
 
 
ومستعيدا سحنته الجميلة
 
القطّ المعلّم يصير حدائقيّا
 
يقطف بأنيابه
 
البراعم الخضراء لأشجار الورد
 
 
وبعد كلّ هذا الطّيش
 
يعود إلى الورق في الفجر
 
وبين الفئران وبنات البحر
 
ينعس مفتّح العينين.
 
 
انتهى ديوان السابح بحبّ وحيد
 
حقوق النشر والترجمة العربية
 
مرخص بها من دار غاليمار
 
 
 

تعليقاتكم